ثورة گولان ملحمة الرجال

ثورة گولان ملحمة الرجال

أحمد صوفي

ملحمةُ فُرسانِ الشّرقِ يُدونها مجموعةٌ من الأبطال يكتبون تاريخَ أمةٍ بالدّمِ، ويدعمونها بالجماجم. فَشعبٌ دعائمهُ الجماجمُ والدمُ تتحطمُ الدنيا ولا يتحطمُ، رجالٌ يأبون الاستسلام والخنوع بأدواتٍ بسيطة يُقارعونَ الموت من أجل الحياة قالها البارزاني المصطفى (لا الانكسارات تَهزِمُنا ولا الانتصارات تجعلُنا نَغْتر) لقد نَهِلَ هؤلاء الرجال من تلك العقيدة حتى ارتووا، فما داموا يحملون بنادقهم فلن يركعوا لأحدٍ، وسيبقوا أسياد أنفسهم، وتبقى كوردستان موطنهمْ حيثُ تناثرتْ قِصصُ الكفاحِ حديثُها والأقدم، وها هو الجيل الثاني من ثورةِ أيلول التحررية يَنبري لإشعالِ ثورة گولان المجيدة، فيلتقي المجد بالمجد وجيلٌ زاحفٌ لراية الكفاح يَتَسَلّمُ.
نعم انه ذلك الطلسمُ الذي عَجِزَ الطُغاةُ عِبر القرون فكِّ رموزه، شعبٌ أراد الحياة ولاحق القدر فما بدَّ البدُّ إلا أن يَستَجبَ لأرادتهمْ، فقد استهان فرسان الشّرقِ صعود الجبال ورفضوا أن تكون الحُفَرَ بيوتاً لهم، نعم إنهم النسور التي تَعشقُ القِمم قِممُ الجبال مهدُ البشرية وحامِلِ سفينتِها في أسطورة الطوفان فلا طوفان يطفو فوق إرادة الكوردي، انهم كانوا رجالاً شُجعاناً على مسيرة الرحلةِ إلى رجالٍ شُجعان، كافح ملائكة السلام أعقاباً وأعقاب حتى نالوا جائزة السلامِ والرحمة والعيش المُشترك وهم يُحاربون، يُحاربون ليس من أجل الحرب بل من أجل الحياة قالها البارزاني المصطفى (إذا خيروني بين الكرامة والحياة فإنني اختار الكرامة فالحياةُ بدون كرامة لا معنى لها) الدفاع من أجل الكرامة من أجل حقوق أمةٍ مظلومة. فتكللت نضالاتهم باتفاقية ١١ آذار للحكم الذاتي، ولكن الطُغاةُ وسماسِرةُ السياسة ومهندسو المؤامرات وتجار الحروب والدماء والكرامة أبوا أن يَنعم الكورد والعرب بالسلامِ والطمأنينة فكانت اتفاقيةُ الجزائر التي أقل ما يُقالُ عنها (اتفاقية الخيانة) لأنها باعت الأرض والعرض وماء الوجه من أجل اغتصابِ حقٍ مُكتسب بدماء الشهداء، باع الطُغاةُ شَطَ الحياة لوطنٍ عانى الجوع والعطش من أجل إطفاء شُعلةِ الحرية لشعبٍ أشعل النور والنار قبل آلاف السنين لتنتقل البشريةُ جمعاء من مرحلةً تَختلِفُ عن سابقتِها فهم أبناء الشمس وضوء الشمسِ لا يُحجبُ بغربال، فندم الطاغي، وأصرَ الشاري مُشتري شط الحياة في وطنٍ سُميَّ بالعراق رُغْماً وقهراً فأشعلتْ حرباً أكلت تاريخ سومر وبابل وأكاد واكبتان وأشور وميديا وعلى البيعة بغداد، وحولت شط الحياة إلى مُستنقعاتِ لا يصدرُ منها إلا رائحة الموت وقبلُ كان شط الحياة.
أما سماسرةُ السياسةِ فقد صرخوا بِلغةِ الكورد (هواري) فلا صُراخُ هواري سُمِعَ ولا مِدينَ استجاب له وظلَ يَصرخُ حتى أكلَ الدودُ جسمه، وأما الطاغي فُرفِع إلى نفس المشنقة التي شَنقَ بها العراق وشعبَ العراق فلا يُباعُ الوطن من أجل حرق وطن. ولكن هيهات أن يَملَّ أصحاب الحق عن حقهم فلا يموت حقٌ وراءه مُطالب، اتفاقية الجزائر عام ١٩٧٥ ألغت اتفاقية الحُكم الذاتي التي أبرمت في ١١ آذار ١٩٧٠ والتي كانت نتاج ثورة أيلول، اتفاقية الجزائر حولت كوردستان مرة أخرى ميداناً للحرب فمنهم من سمى عام ١٩٧٥ بعام النكسة ومنهم من سماها عام التقاط النفس أو استراحة المُقاتل للإعداد للمرحلة القادمة والتاريخُ وحده يستطيع تسمية تلك المرحلة تشكلت القيادة المؤقتة بإشراف البارزاني الخالد والتي أصرت إلى إعادة دورة الحياة الطبيعية إلى دورتها حياةُ الأمل واملُ الانعتاق مِنَّ الظلمْ، وبدأ التخطيط، وباشر الرجالُ التنفيذ، فكانت الخلية الأولى في كوردستان سوريا التي أعدت نفسها للمشاركة لإشعال أمل ثورة كولان التحررية في أجواء سياسية جِّدُ صعبة فالآمال السياسية الكوردية قد انتكست بعد اتفاقية الجزائر، والحُكم الذاتي تم القضاء عليه والقتال بجبال كوردستان توقف، والشعب الكوردي في كوردستان العراق تَشردَ مرةً أخرى تحت أزيزِ الطائرات العراقية وقنابلها ودوي المدافع وزنجرةِ المزنجرات والدبابات إلى أجزاء كوردستان الأخرى، والبيشمركة انسحبوا من ساحات القتال التي فُرضتْ عليهم فرضاً بمؤامرةٍ إقليمية وعربية ومباركة دوليةٍ من أحد أقطابها وصمتٍ مُدقعْ من القُطبِ الآخر.
الأجواء السياسية والأمنية في الجزء الكوردستاني المُلحق بسوريا لم يكن أفضل من كوردستان العراق، مشروع الحزام العربي قد بوشِر به منذُ عقد وهو في أوجه فيما يتعلق بقسمه بجلب المستوطنات العربية إلى المناطق الكوردية ابتداءً من (serê kaniye) وانتهاءً بقريتي (كله وسويديا كوجرا) في منطقة ديرك وبطل يزيد ٣٦٠كلم وعمق ما يزيد ٣٠كلم على طول الحدود التي سُميت حدود تركيا سوريا وكذلك سوريا والعراق وتهجير الكورد من تلك المناطق بناءً على مقترحات محمد طلب هلال التي أقرت من قبل القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، والذي تضمن الاستيلاء على أراضي الفلاحين والملاكين الكورد، ومن ثم تهجيرهم قسراً إلى البادية السورية، وقد سجلت الكثير من الولادات في تلك الفترة (تولد البادية) ثم إسكان العرب مكانهم لإيجاد منطقة عازلة بين كوردستان (سوريا، تركيا، العراق) تم تنفيذ الحزام العربي بمصادرة أراضي الفلاحين والملاكين الكورد، فبدأت الهجرة تتحقق رويداً رويداً فلو لم تحصل بعض الحروب مثل حرب ١٩٦٧ ومن ثم ١٩٧٣ لأتموا مشروعهم بالهجرة القسرية أيضاً، وكذلك تم اعتقال قيادة الحزب الديمقراطي الكوردي في سوريا عام ١٩٧٣بعد إصدارهم بياناً طالبوا فيه بوقف مشروع الحزام العربي، وبقيت قيادة الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا ثماني سنوات في المعتقلات وهم
١_حاجي دهام ميرو سكرتير الحزب.
٢_كنعان عكيد قيادي.
٤_محمد نزير مصطفى قيادي.
٤_محمد امين شيخ كولين هوري قيادي.
٥_خالد مشايخ عضو اللجنة الاستشارية.
٦_عبدالله ملا علي عضو اللجنة الاستشارية.
٧_محمد فخري عضو اللجنة الاستشارية.
وكذلك قد تم اعتقال الكثير من قيادة وكوادر الأحزاب الكوردية الأخرى في تلك المرحلة فإما أن كانت معتقلة أو منفية أو ملاحقة. ومن تبقى من الكورد في كوردستان سوريا كان يَعيشُ تحت وطأة القبضة الأمنية الثقيلة والقبيحة.
اعتقالات كثيرة حدثت في القرى الكوردية المتاخمة لكوردسان العراق والتي استقبلت اللاجئين الكورد من كوردستان العراق، وإجبار الشعب الكوردي بطرد أو تسليم أخوتهم الكورد الهاربين من أتون المعارك بالقوة المفرطة، وقد كانت الشرطة السورية وبمرافقة الشرطة العراقية والتي كانت تُسمى شعبياً آنذاك (Eskerê kom sor العساكر ذوو القبعات الحمراء) تداهم القرى الكوردية المتاخمة للحدود وتُجبرُ الأهالي على تسليم اللاجئين الفارين من بطش حكومة البعث العراقية، وما كان يساعد الأهالي في عملية تأمين المأوى لإخوانهم بأن معظم الأهالي كانوا بموجب الإحصاء الاستثنائي الجائر السّيء الصيت قد جَردَ الكورد من حق المواطنة، فمعظم الأهالي لا يملكون وثائق تُثبتُ بأنهم مواطنون سوريون (بطاقة شخصية، دفتر عائلة، وثائق ملكية وغيرها) هذا الأمر ساعد الأهالي على توفير الأمان للاجئين فإذا لم تكن هناك شكوات شخصية فقد كانت عملية الحماية سهلة حتى إذا تم القبض على لاجئ كان يدعي بأنه من سكان القرية الفلانية وأنه أجنبي أو مكتوم القيد، وقد تتطور الأمر حتى تم القبض على الوجهاء في تلك القرى وزجِهمْ في السجون والمعتقلات والضغط عليهم لكي يكشفوا هويات اللاجئين الكورد العراقيين وقد تم القبض على
١_محمد حسو كالو من قرية علي كاميش
٢_حجي محو من قرية كنكلو
٣_سعيد بيكية من قرية قلدومان
٤_شيخ سعد من قرية خانا سرة
٥_عبدالعزيز حسو من قرية كرة سورة حسو
٦_عمر محما من قرية بانة شكفتة
وقد نُقلوا جميعاً إلى سجن الحسكة، وقد حدثت مواقف بطولية كثيرة أثناء هذه الحملات التعسفية، فأثناء اعتقال محمد حسو كالو من قرية علي كاميش خاطبته زوجته السيدة فاطمة هسام : محما (ne hêle az kevnga serê xwe bidime serê te اي لا تجعلني أضع وشاح رأسي على رأسك) وهي إشارة تقول له كن قوياً، ولا تُعطِ اسم أي لاجئ في القرية والذي كان يصلُ عدد العوائل إلى عشرين عائلة في قرية علي كاميش وحدها، ومرة أخرى حاولت إحراق منزلها لحماية اللاجئين، قالها الكورد (şêr şêr e çi jin e..çi mêr e)
هكذا كانت الأوضاع في كوردستان سوريا بل كانت أكثر سوءاً، ولكن إرادة الرجال العظام لا تقهرها الصعاب فأراد مجموعة من الرجال الشُجعان، وبتنسيق مع القيادة المؤقتة بإحياء الأمل الكوردستاني مرة أخرى، أراد هؤلاء الرجال تحدي القدر، وغدر الزمن ومؤامرات القريب قبل الغريب فقد حدثت أمور كثيرة دوّنها التاريخ بتلك الفترة لا داعيَ لذكرها الآن، تحرك الرجال فرادًا فرادًا بدون أن يودعوا عوائلهم تاركين أولادهم خلفهم، وتاركين حياتهم الشخصية ومصالحهم، فهم يبحثون عن الكرامة والعزة فما فائدة الحياة بدون كرامة؟؟ اجتمع ما يقارب الخمسة عشر رجلاً في قرية ماشوق منزل المناضل المرحوم محمد مجيد محمد سعيد خانو وبقيادة محمد خالد بوصلي والذين تمكنّا من معرفة أسمائهم هم (محمد خالد بوصلي قائد المجموعة ١محمد مجيد خانو ماشوق ٣علي يوسف نعمو ركافا ٤_ملا قاسم إبراهيم عمر برفقة ابنه عبداللطيف ملا قاسم حمزة بك
٥احمد رمو باتاسي زاخو ٦ملا رمضان بحشتي ٧جلال حمى من تورميشا ٨عبدالكريم محمود ركافا ٩عباس صوفي امين روباريا ١٠سليم حاجي امين كركة سلمى ١١عبدو عبدالله شكرخاج ١٢علي إبراهيم (برهيما) سويديا كوجرا) وبعض الأسماء الأخرى التي لم تُسعف الذاكرة على تذكرها ولكننا نعدُ قرائنا على البحث في كل التفصيلات وارشفة الذاكرة الكوردية) وتحت جُنح الظلام توجهوا إلى قربة (Kêl hesenakê ،كيل حسناكة) بالقرب من الحدود التي قسمت كوردستان وسميت كوردياً (ser xet û Bin xet،سرخت وبنخت) وعبروا الحدود وفي الطرف الآخر كان ينتظرهم السيد صبحي حسن شيخ هذه العائلة الوطنية التي لها تاريخٌ مُشرف في خدمة القضية الكوردية، وفي نفس الليلة أكملت المجموعة مسيرتها والتي تُعتبر الخلية الأولى في قاطع زاخو إلى مقر القيادة المؤقتة والتي اتخذت المثلث الحدودي بين ما تسمى مثلث (تركيا، العراق، سوريا) أعضاء القيادة المؤقتة في ذلك المقر كانوا (الشهيد ادريس البارزاني، المرحوم جوهر نامق سالم، كريم شنكالي، آزاد برواري، ويذكر أيضا اسم سليم صور) آزاد برواري استلم قيادة قاطع زاخو وكريم شنكالي كان يعدُ المناشير التي ستوزع في المنطقة للإعلان عن ثورة كولان التي أعادت المجد للكورد، دخلت المجموعة إلى أراضي كوردستان العراق، وقامت بتوزيع ونشر المناشير أولاً كُلاً حسبَ المهمة الموكلة اليه، والمنطقة المحددة، ثم عادت، واجتمعت المجموعة لتضرب أحد المراكز العسكرية التابعة للجيش العراقي، فكان النصرُ الساحق من نصيبهم بالإضافة إلى الرسالة الموجهة إلى حكومة البعث أن البيشمركة عادوا إلى معاقلهم، وإن هذه الجبال لن تَكُفَ عن ولادة الأبطال، فهي معاقلهم وقممها أعشاش النسور لا مخابئ الغُربان، زيادة على ذلك فقد كسبت هذه المجموعة كمية لابأس بها من الأسلحة والذخيرة التي كانت تفتقرُ إليها وما يُثيرُ الدهشة أن عدداً من أفراد هذه المجموعة لم يكن يملك سلاحاً أثناء للهجوم على المركز العسكري فقط كان يملكُ إرادته الحرة وروحه التي وهبها لوطنه، بعد سماع أخبار هذه العملية انتعشت الآمال، وعادت الدماء للعروق.
فأقل مايقال عن ثورة كولان أنها أعادت الدم إلى العروق الكوردية، وبدأ الجسدُ الذي أصابه اليأس بعد توقف ثورة أيلول المجيدة إلى التحرك والانتعاش، وانبعاث الأمل وعمت الفرحةُ المخفية عموم الشعب الكوردي، وعادَ ذلك الكهلُ يحملُ باكورته (kopal) ويفتحُ باب كوخه الصغير فتخرج تلك الخرفان الصغيرة (şengê û pengê) فقد طُردت الذئاب من بيادرنا ويجتمع أحفاده حوله ليقص لهم قِصة الحياة لهم فهم الأمل وأما الجدة فعادت وجلست على دكةٍ أمام منزلها وبيدها تلك الخشبة (teşî) التي تحيكُ الصوفَ وهي تُغني بصوتٍ مبحوح (welatê me kurdistane cihê xeş mêrû û şêrane) وأما الأم فعادت ونصب تلك الأخشاب الثلاثةُ (sê pîya meşkê) وبدأت تخضُ ذلك الجلد الذي يسمى (meşik، مَشك) حتى تجتمع جزيئات السمن وتَتكتل وتطفو فوق اللبن المخفف بالماء فيجتمعُ الأولاد حولها وبيد كُلٍ منهم قِطعةٌ من خبز التنور فتضع لكلِّ واحدٍ منهم البعض من تلك الزبدة (Nîvişk) وقليلٌ من السُكر من حق هؤلاء الأطفال أن يأكلوا من خيرات وطنهم الذي حاول الأعداء بِكلِّ ما استطاعوا من قوة حرمانهم منها، إنها ملحمة حياة شعبٍ لا يرضى الظلم والسكينة.
بعد فترة لا تقل عن الستة أشهر عاد بعضٌ من هؤلاء الرجال الي بيوتهم لقضاء بعض من الوقت بين أولادهم الذين يسألونهم أين كنتم؟ فكلٌ يقصُ لهم قصة معينة فما زالت القبضة الأمنية في كوردستان سوريا متحكمة بِكُلِّ شيء. صحيح أن العلاقات بين سوريا والعراق بدأت تتوتر، ولكن القائمين على العمل في الأجهزة الأمنية مازالوا بتلك العقلية العنصرية المقيتة، هؤلاء الرجال كُلٌ كان يحملُ مُهمةً خاصة مُختلفة عن الأخرى، هم من حولوا الموت إلى حياة فمنهم من سيعود إلى جبهات القتال، ومنهم وكِلتْ إليه مهام لوجستية أخرى، الحكومات الغاضبة لكوردستان حاولت وتحاول وستحاول إلى كبت كُلَّ أملٍ كوردي فالحدود بين كوردستان سوريا وكوردستان تركيا ( ser xet û bin xet) أصبحت حدوداً شائكة، وأصبحت حقلاً للألغام درءاً لأي تواصلٍ بين الشعب الكوردي المتوزع والمنقسم على طرفي الحدود ولكن هيهات فقد نشطت مجموعات عدة على طول الحدود وأخذت على عاتقها فك تلك الألغام المزروعة على تلك الحدود المصطنعة ومجموعات تستلمها وترسلها بِشكلٍ سري إلى الثورة الكوردية التي أشعلوها ولحمايتها من أعدائها نعم فلربَّ ضارةٍ نافعة، لقد نشطت مجموعات كثيرة على طول الحدود بين سوريا وتركيا لفك الألغام وأزالتها وإرسالها إلى الثورة الكوردية.
ونحن هنا نذكرُ مجموعة المرحوم مجيد يوسف خانو احد أفراد الخلية الأولى التي شاركت في ثورة كولان، ولا ندّعي أنها الوحيدة، بل هناك مجموعات أخرى أيضًا وفي مناطق أخرى، ولكن مجال كتابتنا الآن عن هذه المجموعة فمن هو مجيد يوسف خانو محمد مجيد يوسف خانو تولد قرية (مران باكورة كوردستانة) توفّي والده وهو صغير فتكفلته والدته السيدة خانم ولذلك سُميَّ باسمها مجيدة خانة عندما كبر واشتد عوده أجاد الرماية فكان قناصاً من الطراز الأول (sekvan) وأثناء خدمته الإلزامية أيام أتاتورك حصل على المرتبة الأولى بالرماية ضمن الفرقة التي كان يخدم فيها فسأله الضابط من أنت؟ فقال مجيد يوسف وما هو أصلك، فقال كورمانجم كوردم، فكلفته تلك الكلمة العقوبة بدلاً من الجائزة والتعذيب والمُعتقل بدلاً من الإجازة الموعودة، بها فكُسرتْ أضلاعه من التعذيب الذي تعرض له لأنه نطق ما كان محرماً آنذاك ولكنه كَسِبَ أصله فمن ينكُرُ أصله لا أصل له هرب مجيد خانو من العسكرية بعد تلك الحادثة واستقر في قرية ماشوق ولخصاله الكريمة كُلف من قبل محمد شريف حاجو وبرفقة حسن آغا حاجو القيام بحركات قتالية وبتوجيه من جمعية (خويبون) للتخفيف عن ثورة (Agirî،أكري) إحسان نوري باشا لم يستكن مجيد يوسف خانو ففي عام ١٩٤٦ وبرفقة عثمان حسن حاجو حاولوا الالتحاق بجمهورية مهاباد الكوردية، ولكن القدر لم يَسعفهمْ فقد تم القضاء على الجمهورية الوليدة قبل وصول هم إليها شارك في ثورة أيلول المجيدة، وبعد مُشاركته بثورة كولان التحررية اختص فيما بعد بفك تلك الألغام المزروعة على طرفي الحدود وإرسالها بِشكلٍ مُنظمْ وسري إلى الثورة الكوردية عبر شبكات تم أنشاؤها لدعم الثورة لوجستياً، وكان بيته مقراً للكوادر والبيشمركة التي نشطت في سوريا، وتحسنت العلاقة قليلاً بين الثورة الكوردية والحكومة السورية، توفي مجيد يوسف خانو بعد الانتفاضة الآذارية يوم 1991/3/31 بعد أن تكللت عيونه برؤية العلم الكوردستاني يُرفرفُ فوق قمم كوردستان وهو يُرددُ مقولته المشهورة (Yê bê xwedî be pê xwedane) ومن ميزات أبناء نهج البارزاني إن قناعات ومبادئ وعقيدة أبناء هذا النهج لا تموت عندما يفارقُ احدُ مُعتنقيه الحياة بل تولدْ وبأسلحة متطورة وأدوات متقدمة جديدة، فأثناء حياة المرحوم مجيد يوسف خانو كان ابنه البكر محمد سعيد خانو الرجل المثقف والمتعلم بمثابة الدينمو لكل نشاطات تلك الفترة فهو كان شاباً يافعاً ومتعلماً، وكان يؤدي أغلبية الأعمال التي تستلزم السرية، أنها خصوصية هذا النهج فجيلٌ يتسلمُ الراية من الذي سبقهُ، بينما كانت الألغام تُزالُ من الحدود السورية التركية كانت قرية (ركافا) تتحول إلى خلية للنضال وبكُلِّ سرية وكانت قرى (موزلان، كنكلو، تليلون، بليسية، خراب رشكا بر آفة، علي كاميش، كربالات، زهيرية) لا تقل عنها شأناً وكذلك قرى جم شرف ومزرة وديركا بر آفة وعين ديوار فتلك الشبكة التي تمدُ الثورة بما تحتاجه نشطة في كُلِّ هذه القرى وتبقى ركافا المركز وعلي يوسف نعمو تلك القامة النضالية تولد ركافا ١٩٥٠ التحق بثورة أيلول عام ١٩٦٧ وهو في مقتبل العمر شارك في معارك عديدة منها (جياية زوزك، قلعة دزة وغيرها) وبعد شارك بدورة فك الألغام، بعد اتفاقية الجزائر عاد إلى مسقط رأسه قرية ركافا وسرعان ما ساهم بالاتصال برفاقه القدامى وكان ضمن المجموعة الأولى التي أشعلت ثورة كولان التحررية كان يتنقل بين كوردستان العراق وسوريا لدعم الثورة لوجستياً.
في الثمانينات من القرن المنصرم تعرض للاعتقال من قبل الأجهزة الأمنية وأصدر بحقه عقوبة الإعدام بعد بقائه خمس سنوات في معتقلات الحكومة السورية وعندما سَمِعَ الشهيد إدريس البارزاني باعتقاله توسط لديه عند الحكومة السورية والتي أفرجت عنه حيث تحسنت العلاقة بين الثورة الكوردية ونظام الحُكم في سوريا التحق علي يوسف نعمو بالانتفاضة الكوردية ١٩٩١ وشارك في معارك عدة أصيب في إحداها بطلقة قناصٍ أفقدته إحدى عينيه، وشَلتْ قسماً من جسده، وأصبح بمثابة شهيدٍ حي منذ عام ١٩٩٧ توفي البيشمركة العقيد علي يوسف نعمو ليلة 2023/4/29 في مدينة زاخو ونقل جثمانه في اليوم التالي إلى مسقط رأسه قرية ركافا ليوارى الثرى هناك وسط حضور جماهيري يُليق به، وهناك في قرية حمزة بك كانت قصةُ مناضلٍ آخر مُناضلٍ لا يعرفُ الهوادة ويعشقُ العمل بصمتْ انه الملا قاسم عمر تولد ١٩٢٠ إحدى قُرى ديرك درس الفقه وعلوم الدين في قرية (Berojkê، بروزكة) دهوك على يد الشيخ علي وحصل على الإجازة الفقهية منه، الملا قاسم الذي سكن قرية حمزة بك فيما بعد كان يجيد الكتابة والحديث باللغتين العربية والكردية وكونه درس في كوردستان العراق فكان يجيد الحديث باللهجة السورانية، ولأنه عاصر الإنكليز في العراق والفرنسيين بسوريا، فكان يُجيدُ الحديث ببعض مُصطلحات اللغتين، ويَفهمُ أغلبها.. شارك الملا قاسم بثورة أيلول وكان ضمن المجموعة الأولى برفقة ابنه البكر عبداللطيف ملا قاسم بإشعال ثورة كولان ونتيجةً للظروف الأمنية السائدة في تلك المرحلة لم يكن يُخبرُ احد بنشاطاته السياسية والتحررية فكان بيت أسراره زوجته شيرين فقه حسن التي كانت خيرَ مُربية لجيلٍ مُثقفٍ على نهج والدهم وابنه البكر عبداللطيف ملا قاسم كان من أبرز المناضلين الذين عملوا في صفوف الحركة الكوردستانية ولكن يد المنون خطفته وهو في قمة عطائه.
إن تراجيديا المأساة الكوردية في حركة صراعها بين الوجود أو اللاوجود أنتجت مناضلين تنحني لهم القامات وكانت بصمات الرجال تتضحُ، وتظهر من أجل البقاء والاستمرار فها هو الملا قاسم يُديرُ بأصابعه التي بصمت على حركة تاريخ أمة إبرة الراديو الفليبس فتصدر أصوات وشوشات بين الفينة والأخرى وهو يَنصِتُ بُرهة ليتأكد من شيءٍ ما وينتظرُ أولاده الصغار لكي يسمعوا إلى أغنية من ذلك الجهاز الغريب آنذاك، ولكنه يبقى يُحركُ إبرة الراديو يميناً ويساراً فهو يَبحثُ عن شيء ما وفجأة يَسمعُ صوتاً جهورياً يقول (هنا صوتُ كوردستان) إنها ضالته التي يبحثُ عنها فترتسمُ الفرحة على شفاه الملا قاسم، ويخرجُ هذه المرة عن صمته ويقوم ويغني لأولاده الذين كانوا ينتظرون اغنية من الراديو ولكن هاهو ابوهم يغني لهم
Feqê me cûne feqa bejnê lê bejinê bejinê lê bejnê cavê reş ) belek)
أدرك أولاده بأنه سمِعَ شيئاً أفرحه كثيراً، فليس من عادته الغناء، قِصصُ هؤلاء الجنود المجهولين لا تنتهي انهم كُثر تنتهي الكلمات وتكفُ الحروف نطقاً وتجفُ الأقلام فلا الأوراق تكفي ولا الحروفُ تنطقُ بما فيها الكفاية لتُعبِرَ عن شجاعة فُرسان الشرق أبناء النور والشمس عاشقي الحرية وباعثي الأمل.
إنهم رجالٌ ملحميون التحموا بالأمل فأحيوه، وها نحن نعيش فرحة ما عانوه هم، وأصبح لنا سندٌ وكيان بفضلِهمْ.