في الوادي ....وايت وولف
صالح محمود
منذ أيام عاد وايت وولف إلى المنزل مضرّجاً بالدماء. عاد ولديه رغبةٌ قويةٌ في المغادرة مرة أخرى، كان يبدو عليه الاختناق والغضب والرغبة القوية في إتمام معركة بدأها قبل لحظات.
وايت وولف، وتعني (الذئب الأبيض) هو من فصيلة كلاب ترجع أصولها إلى آلاسكا، وهذا النوع من الكلاب شبيه بالذئاب في شكلها وسلوكها، لقد عاد وولف إلى المنزل، وهو يلهث بقوة، ويكاد يختنق، لقد اعترض طريقه مجموعة من اللصوص، وحاولوا اختطافه، لاشكّ أنهم أعجبوا بجماله ولونه الثلجي الجميل، ولكن هيهات ثم هيهات أن يفلحوا في الاستيلاء عليه!! لقد حاول اللصوص في البداية استمالته، وبعد أن فشلوا في ذلك قرروا أخذه بالقوة، ولكن وايت هاجمهم بقوة، وجرح اثنين منهم، وتدخّل بعض المارة، ونزعوا فتيل المعركة بين وايت واللصوص الذين ضربوه بالعصي، لقد نال وايت من اثنين منهم، ولو تركه المارة لهاجم الاثنين الآخرين، ونال منهما، وبعدها عاد مباشرة إلى البيت وفي داخله رغبة في الانتقام والعودة.
أعادت هذه الحادثة عقارب الزمن أربع سنوات إلى الوراء، حين كنت في زيارة إلى الطبيب لمعالجة ولدي حمودة فهو يعاني من مرض التوحُّد أو ما يسمّى فرط النشاط، لقد فحصه الطبيب، وعاينه، ولكن قبل أن نغادر، قال لي :
- أفضّل أن يكون في المنزل حيوان أليف يلاعبه حمودة.
- أتعني قطةً أيّها الطبيب؟
- قطة أو جرواً صغيراً، أو حتى هامستر
- حسناً.
وبعد بحثٍ طويلٍ وشاقّ ٍعثرنا على قطة بيضاء عسلية، وعاشت معنا في المنزل لتكون تسلية لحمودة، ولكن الأمور لم تسر كما أردنا لها أن تسير، ففي كلّ مرة يلاعب فيها الولد القطة يخرج مجروحاً وباكياً، فهو لا يعلم كيف يعامل القطط؟! والقطة لم تستوعبه، وبتنا في حيرة من أمرنا، وبعد أخذ وردّ، قرّرنا أن نستبدل بالقطة جرواً، وأثناء رحلة بحثنا عن جرو مناسب، عادت عائلة سورية من المهجر وبرفقتها أنثى كلب وعدة جراء، لم يمانع صاحبهم في بيع الجراء، ووقع اختيارنا على وايت وولف، وكان عمره آنذاك حوالي الشهرين، ومنذ تلك اللحظة أصبح وولف واحداً من أفراد عائلتنا والصديق الوفيّ لحمودة وهو الأكثر صبراً وتحمّلاً بين أفراد العائلة على شقاوته حيث لا يتحكم بحركة جسمه وتوازنه عندما يكون في سباقٍ وماراتون مع وولف، وما إن يسقط حتى يَحول وايت بينه وبين الأرض كي لا يرتطم بشيء، ويتألم، وولف له عادات جميلة جداً، فهو عندما يعود من رحلة استجمام ومشي، أول حركة يقوم بها هي أنه يدخل الحمام ويدعو مرافقه أن يسكب الماء على يديه وقدميه ومن ثم يولج إلى الداخل، ويتمدد على فراشه، ويتقلّب يميناً وشمالاً لينشّف وبره، أليست هذه عادة من عادات النبلاء!؟ وكذلك عندما يقضي وولف حاجته دائماً يعطي إشارة من خلال اصدار صوت معين ليأتي أحدهم، وينظف المرحاض من بعده، وولف لا ينبح كالكلاب العادية هو فقط يرفع رأسه فجراً نحو السماء، ويطلق عواءً كعواء الذئب أربع مرّاتٍ أو ربّما خمساً، ويكتفي بذلك. وايت له من الإباء ما لرجلٍ شجاع، ذلك أنّك إذا قدّمت له الطعام، ولم تعطه إشارة أن يباشر الأكل فإنّه لا يأكل،! فله من الإباء و الأدب ما لرجل نبيل، وعندما يغضب وايت وولف تصدر عنه ردّة فعل غريبة، فما زلت أذكر حين كانت زوجتي تنشر الغسيل فوق السطح، واقترب منها وايت لكي يلاعبها، ولم يكن مزاجها رائقاً لملاعبته لذلك غضبت من وايت وضربته بعصا كانت هناك وبعد أن انتهت من عملها، وانسحبت إلى داخل المنزل، لقد كانت ردة فعل وايت غريبة، فمن بين كل الملابس التي كانت منشورة على حبل الغسيل وايت نزع ملابس أم حمودة ومرغها في الأرض! يا له من كلب فهيم! وايت صياد ماهر فهو يصطاد الحمامة وهي طائرة، ولكنه يأبى أن يأكلها!! فقط ينقضّ عليها وينهيها، وهذه عادة سيئة وصفة غير حميدة يتسم بها وولف، إذا كان وولف لا يأكل الحمام فلماذا يصطاده إذن؟.. إنها الغريزة المعششة في داخله إنه يتصرف في كثير من الأحيان كالذئاب، فالذئب له طبيعة غريبة حيث يهاجم قطيع الغنم ويقتل ويفتك بالكثير منها ومن ثم يلتهم واحدة، في داخل الذئب غريزة انتقام قوية فهو يتلذذ بقتل أكبر عدد من النعاج، فالذئب يأبى أن يكون إلا ذئباً، ولا سيّما فصيلة وولف حيث يلفّها الكثير من الغموض وتحمل الكثير من الأسرار.
ابنتي يارا اعتادت أن ترافق وولف منذ كان صغيراً، ويارا ناعمة ولطيفة وهي على درجة من اللين بحيث لا تقوى على مشاكسة أحد في حيّنا المزدحم بالبشر الأشقياء لذلك علّمت وولف ودرّبته على الشراسة والتصدي لأي خطر قادم لتعوّض بوولف عن النقص الذي عندها، وكانت يارا تخاطب وولف بالإنكليزية أحياناً وبالعربية أحياناً أخرى لذلك أصبح وولف يفهم التعليمات بكلتا اللغتين.
في كثير من الأحيان حين أعود من عملي بعد يوم شاقّ من العمل أكون متعباً جداً، ولكن رغم ذلك أضطرّ للنزول عند رغبة وولف، رغبة جامحة أقرؤُها في عينيه وحركاته، إنه متلهف للخروج والتنزّه، فأخرج برفقته في مشوار قد يكون طويلاً، ولكنني أستمتع معه كثيراً رغم أنّني أكون متعباً حقاً.
تبدأ الرحلة عندما أخاطبه، ويمتثل للأوامر طبعاً، ويعبّر عن سروره عبر الحركات الجميلة، حماسه وإقباله المفرط في المشي في الطريق يجعلني أوقفه عدة مرات، ولا يكفّ وولف عن الالتفات ذات اليمين وذات الشمال والوقوف حيناً والانطلاق حيناً آخر، وايت سعيد جداً لأنه خرج من المنزل ولأنه برفقتي أنا بالذات، وأنا أيضاً سعيد لمرحه وانبساطه.
في يومٍ ما قبل ثلاث سنوات عندما كان وولف صغيراً أصابه فجأةً مرضٌ شديدٌ، وأصبح في حالةٍ يرثى لها فأسعفته إلى العيادة الطبية التي قدّمت له العلاج اللازم، ولكن الشدة التي ألمّت بوولف جعلته طريح الفراش، واضطررت إلى البقاء بجانبه خمسة أيام متتالية وبعدها تماثل للشفاء، وخلال هذه الفترة علمني الطبيب المعالج كيف أعلّق له السيروم، وأسقيه الحليب، وبقية الأدوية، ومنذ ذلك الحين ولدت بيننا محبة وأواصر صداقة من المستحيل أن تنفك، لقد اعتاد علي وولف، واعتدت عليه وقامت بيننا عرى صداقة قوية جداً وبتُّ أحبُّه كأحد أولادي.
قبل أيام قليلة حصلتُ على جواز سفر وتأشيرة دخول إلى سلطنة عمان وما هي إلا أيام، وستقلع طائرتي إلى هناك في رحلة عمل قد تدوم طويلاً، أمّا عائلتي فإنّهم سيسافرون إلى مصر، لقد فرحتُ كثيراً، وأخيراً سينتهي البؤس، وسيتلاشى معه القلق والخوف، ولكن فجأة وجدتُ نفسي قلقاً حزيناً، لقد تذكرتُ وولف.
- آه يا إلهي ماذا سأفعل بوولف ؟ وكيف سيكون مصيره؟
حاولتُ جاهداً الإجابة عن هذه الأسئلة التي قضّت مضجعي، استعنتُ بكلّ من أعرفهم، الأهل، الأصدقاء، الجيران، ...
أحد الأصدقاء اقترح عليَّ بيعه، فرددت عليه قائلاً:
-وهل يبيع الأب ولده؟ فراقُ وولف لا يُطاق، وكذلك بيعه لا يُطاق، ثمّ هبْ أنّني بعتهُ، فما الذي سأفعل بثمن وولف؟ لا، لا أستطيع أن أقبض ثمن وولف، إنّه لأمرٌ قاسٍ، ويشقّ عليّ ذلك، ومُحالٌ أن يحدث.
أكثر من عشر سنواتٍ من البؤس عشتها لم يرتقِ مستوى القلق فيها إلى مستوى قلقي الآن، أأرفضُ عقد العمل الذي طالما حلمتُ به، وأبقى في جوار وولف؟ لكن ما ذنب عائلتي أن تُحرَم من حياة سعيدة ومستقبل أفضل؟ أم أبيعه؟ ولكن ما ذنب وولف أن يفارق عائلة أحبّها وأحبّته؟ ثمّ ما الذي يضمن أنّ يكون وولف سعيداً في العائلة الجديدة؟
أنا في حيرة من أمري، فبيني وبين وولف علاقة روحية لن يُدركها إلا من كان له كلباً وفياً كوولف.
-لعن الله الفاقة، فلو كنت أملك المال لحاولتُ أن أحصل على جوازِ سفرٍ لوولف، وبهذا تنتهي معاناتي.
وفي غمرة هذا الصراع الفكري والنفسي، لُمح أخيراً بريقُ أملٍ، لعلّه يكون الخيارُ الأفضل، فقد تذكّرتُ صديقاً لي له خبرة في تربية الكلاب، فعزمت على أن أعرض أمري عليه بأن أترك وولف في عهدته إلى أن تتهيّأ ظروف أفضل، لعلّي أتمكّن من الحصول على تأشيرة دخول له، وينضمّ إلينا.
-نعم سأسافر، وسيبقى وولف في دمشق على الأقل في الوقت الحاضر، فلا مفرّ من بقائه حبيس هذا البلد التعيس، ولا مهرب من بقائه في تلك الزنزانة اللعينة، إنّها الظروف التي تتحكّم بنا غالباً وتنوب عنّا باتخاذ القرار.
-أحياناً أتخيله مشرداً في شوارع دمشق، أو تناله العصيّ أو يُطارد بالأحجار من صبية أشقياء، ولكن لا خيار آخر لديّ، سيبقى وولف رهين هذه الأوضاع السيئة، وسيعيش وحيداً بعيداً عنا، ويكبر وحيداً، ولسوف يمرض وحيداً، وقد يموت وحيداً، فمصيره مرهون بظروف هذا البلد التعيس، وقد لا يختلف مصير الكثير من البشر عن مصير وولف، أولئك البشر الذين تشبثوا بهذه الديار عن عمد أو غير عمد.