الإيمان والإلحاد
محمد رجب رشيد
قد لا نأتي بأمر جديد أو غريب إذا ما قلنا: الكون قائمْ على التناقض منذ نشأته، ليس الكون فحسب بل جميع أنواع الحياة أيضًا، فالإنسان مجبولٌ على التناقض، هذا إنْ لم يكُن جزءًا من تكوينه النفسي. التناقض من الثوابت الطبيعية التي لا تتبدّل بفِعل الزمان والمكان، كُل طرف من طرفِيه يعطي الآخر معناه، كما يقول المثل (الشيء يُعرف بنقيضه)، فلا معنى للحرية والخير والجمال والنور، …إلخ، دون وجود كل من العبودية والشرّ والقُبح والظلام، … إلخ. لعلّ من أهم الثنائيات المتناقضة (الحياة والموت)، (الإيمان والإلحاد)، الغلبة في الثنائية الأولى تكون في النهاية للموت، لأنّ كل شيء (حَي، جَماد) له بداية ونهاية، وبالتالي هو هالك لا محالة.
أمّا الثنائية الثانية فالغلبة فيها تكون للإيمان في دار الآخرة، ولا غلبة لأحدهما على الآخر في الدنيا، لقد ترك الله سبحانه وتعالى لِعباده حرية الاختيار بين الإيمان وعدمه حيث قال (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) ص.
الإيمان هنا لا علاقة له بالشرائع والشعائر، يقوم على ثلاثة أركان فقط هي الإيمان بوجود إله خالِق، والإيمان بيوم الآخِرة، والعمل الصالح، الرُكنان الأول والثاني يتحقّقان بالفِطرة والتفكُّر والتعقُّل (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرون، لَعَلَّهُمْ يَعْقِلون، أفَلا تَعْقِلون) ص، ولا يُكلِّفان المرء أي جهد أو مال، بينما العمل الصالح يحتاج من المرء بذل الجُهد حسب استطاعته وصرف المال بِقدر امتلاكه. مَثَلُ الذي يكتفي بالإيمان فقط دون العمل الصالح كَمَثَلِ الذي يتحدّث بالملايين، ولا يملك فلساً، وبالتالي لا يستطيع فعل أي شيء مُفيد لنفسه وللآخرين. أمّا المؤمن الحق فهو الذي يؤمن بالأركان الثلاثة، ومَثَلُهُ كَمَثَلِ الذي يتحدث بالملايين ويملكها، بالطبع من يملك المال يستطيع الشراء والقرض والكفالة ومساعدة الآخرين وغيرها الكثير.
الإلحاد هو إنكار وجود إله خالق، وبالتالي إنكار كُل ما جاء في الكُتُب السماوية، ويختلف عن الكُفُر الذي يشير إلى إخفاء شيء موجود. حاليًا نجد نوعين من الإلحاد يختلفان عن بعضهما من حيث الدوافع، الأول إلحاد عقائدي منتشر بكثرة في الدول الغربية وبدرجة أقل في الدول الإسلامية، من أهم أسبابه محدودية الرؤية حول نشوء الكون والحياة، وإنكار المُسلّمات والتمسُّك بحقيقة (العلم لا يُثبت وجود إله خالِق)، والأهم من ذلك قصور الفِكر الديني المطروح من قِبل المشايخ والكَهَنة والحاخامات، وعدم انسجامه مع قيم العصر. أمّا النوع الآخر من الإلحاد فنجده في الدول الإسلامية، وهو إلحاد سياسي أو اجتماعي أكثر مِمّا هو إلحاد عقائدي، وتنحصر أسبابه في الخلط بين التراث والفقه، واختصار الدين بهما دون العودة إلى كتاب الله، فضلًا عن قمع الحريات ومصادرة الآراء من قِبل الأنظمة الديكتاتورية الحاكِمة، وغياب العدالة والمساواة، وانتشار الجهل والفقر والبطالة، مِمّا يُؤدّي في النهاية إلى انسداد الأفق لدى جيل الشباب، والدفع بضِعاف النفوس والإرادة إلى الارتماء في حضن الإلحاد انتقاماً من الواقع المؤلِم المُعاش.
لقد وجد المُلحِدون ضالتهم المنشودة في أمرين اثنين، العِلم -خاصة نظرية التطوُّر- ودِقّة قوانين الكون، وذلك لدحض قصة الخلق وإنكار وجود إله خالق، متناسين أنّ العِلم ليس من مهامه إثبات مُسلّمة وجود إله خالق، هذا إنْ لم يستدلُّ عليه، والمُسلّمة هي الأمر الذي لا يمكن إثباته أو دحضه علميًا. أمّا دِقة قوانين الكون فإنّها دليل على وجود الصانع، وليست بديلًا عنه.
ويبقى الأهم من كُل ما سبق الأخلاق ومصدرها! لماذا هي مطلقة متجاوزة للزمان والمكان؟ ولماذا يتفق جميع الناس على أنّ الصِدق والعدل من القيم النبيلة، والقتل والظلم والخديعة قيم وضيعة، ولماذا لا نتصوّر أنْ تصبِح الغش، الكذِب، الظلم والنميمة من القيم النبيلة بعد آلاف السنين؟
من المُؤكّد أنّ العِلم يهتم فقط بالمُشخّص من الأشياء، وليس من شأنِه البحث في المُجرّدات والغيبيّات، وبالتالي لا بُدَّ أنّ يكون عاجِزًا عن تفسير ماهيّة الأخلاق وإنتاجها وتحديد مصدرها، هذا العجز بمثابة ثغرة معرفيّة وقيّميّة في العِلم والعالم المادي، الأمر الذي يعني وجود نظام غير مادي قام بترسيخ الأخلاق. فالسلوك الأخلاقي إمّا لا معنى له، أو له معنى واحد يتمثّل بوجود الله الذي أنعم على الإنسان بالأخلاق دون غيره من المخلوقات. أمّا نظرية التطوُّر فعلى الرغم من صحتِّها فإنّها عاجِزة عن تفسير النشأة الأولى للحياة والذكاء الحاد للإنسان والذي يفوق حاجته من أجل البقاء.
إنّ الفهم السطحي لنظرية التطوُّر أدّى في نهاية مطاف إلى تطرُّف ذو اتجاهين متعاكسين، تجاهل كِلاهما المنهج السوي في قبولها أو رفضها، ولجأ كل طرف إلى قذف الآخر بها، فالمؤمن اعتبرها أكذوبة علمية مرفوضة، حكم عليها بالموت دون مقارنتها بقصة الخلق كما وردت في القرآن الكريم، والمُلحِد تمسّك بها لإرضاء غروره. هنا يبرز إلى السطح تساؤل مشروع هو: هل جميع عُلماء الأمس واليوم ملحدون؟
قد يعتقد البعض ذلك! إلّا أنّ هذا الاعتقاد يفتقِر إلى الدِقّة، ويُجانب الصواب. قديمًا قال الفيلسوف الإنكليزي فرانسيس بيكون (قليل من الفلسفة قد يؤدي إلى الإلحاد، لكن التعمُّق الشديد فيه لا بُدَّ أنّ يؤدي إلى الإيمان)، ثم جاء اينشتاين وقال قولته المشهورة: (أنا على يقينٍ تام بأنّ الله لا يلعب النَّرد مع الكون) بمعنى أن عَلم الله مُطلق غير خاضع للاحتمالات. تُشير الاحصائيات التي كانت ومازالت تُجرى في الدول الغربية أنّ نسبة غير قليلة من العلماء مؤمنون، خاصةً علماء البيولوجيا، ولُوحِظ أنّ أكثرهم أمريكيون وأقلُّهم فرنسيون.
إنّ الإيمان بالله لا يفرض الخوض في دحض الحقائق العلمية، بل يدعو إلى البحث عن أسرار الكون والحياة (قُلْ سيروا في الأرْضِ فانظُروا كِيفَ بَدَأَ الخَلق)، (وَفي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) ص. أمّا الإلحاد مهما بلغ بالمرء فلا يستطيع نسب تلك الحقائق والأخلاق لغير الله سبحانه وتعالى.