قلق الإبداع
إبراهيم اليوسف
يتردد الحديث عن القلق الإبداعي لدى المبدعين، بعامة، سواء أكان ذلك في مجال الكتابة أو الرسم أو الموسيقا، بل راحت دراسات هائلة تركز على موضوع القلق لدى المبدع، وذلك انطلاقاً من معاينة إبداعه، وتشخيص تأثير هذا القلق في عالمه الإبداعي .
ويرى عدد كبير من الدارسين أن القلق- وعلى خلاف ما هو متوقع- ينعكس بشكل إيجابي على العمل الإبداعي، إذا كان من ذلك النوع الذي يحفز المبدع على الانخراط في مجاله الإبداعي، ويركز على أدواته الفنية المتعدّدة، بحسب طبيعة مجال إبداعه الخاص، ليكون ذلك مؤشراً إيجابياً لدى الفنان، بل ليكون إحدى الأدوات اللازمة للتجربة الإبداعية الأصيلة .
ومن هنا، فإن هؤلاء الدارسين ينظرون إلى الأعمال الفنية الخالدة لعباقرة الإبداع على اختلافها، على أنها نتاج موهبة غير عادية، وإن لدرجة القلق عند أصحابها علاقة كبيرة بما قدموه، بل هناك من يرى أن القلق صفة ملازمة في مثل حالة المبدع، ولايمكن النظر إلى أية حالة إبداعية بمعزل عن تصور درجة معينة من القلق لديه، ليكون ضمن هذا المفهوم حالة صحية لا بدّ منها .
بيد أن القلق في تصور عدد آخر من الدارسين مشروط بدرجة محدّدة من السطوة على سلوك وروح المبدع، ليكون ضمن طور السيطرة، والتفاعل الإيجابي في المختبر الإبداعي لديه، لأن من شأن مثل هذا القلق في حال تفاقم أمره أن ينعكس بشكل سلبي على الحالة الإبداعية لدى المبدع، بل على صعيد حالته النفسية والصحية على حد سواء.
إن العودة إلى السير الشخصية لعدد كبير من المبدعين تبين أن القلق الذي استطاع أن يكون دافعاً لافتاً في تطوير التجربة الإبداعية لكثير منهم، سرعان ما يثبّط الإبداع لدى بعضهم الآخر، في ما لو تفاقم أمره، وخرج عن سيطرته الشخصية، فهو هنا لن يخسر مجرد نتاجات متألقة، منتظرة منه،أو قد يتم تقديم إنتاج خال من الإبداع، أو من دون مستوى قامة المبدع نفسه، نتيجة الخلل في تعامله مع أدواته، بل إن ذلك قد ينعكس في الوقت نفسه على حياة المبدع، ويترك شرخاً واضحاً فيها، لينال من تواصل هذا الفنان مع عالمه الأسري، أو الاجتماعي، فيركن إلى العزلة، والانكفاء، ضمن مدة زمنية تقصر أو تطول .
وتأسيساً على مثل هذا الكلام، فإن القلق قد يغدو من مستلزمات الإبداع حقاً، بيد أن وعي هذا القلق من قبل الفنان، وكيفية التعامل معه، أو ترجمته، هو أمر في غاية الحساسية، ولكم من مبدعين حقيقيين يؤطرون هذا القلق ضمن حالات معينة، سواء أكان ذلك في ما قبل اللحظة الإبداعية، أوأثناءها، لتكون الاستفادة منه بالشكل الأمثل، إذ يقوم هذا الصنف من المبدعين بتطويعه في خدمة أعمالهم .
وبدهي أن تأثير القلق في عمق النتاج الإبداعي نفسه، يظهر على نحو واضح لدى المتلقي، ولاسيما عندما يستسلم هذا المبدع أمام سطوته، بعيداً عن سيطرته الضرورية، ليتم تغليب عناصر محددة على حساب أخرى، نتيجة هيمنة حالة يأس وكآبة واستسلام، ولعل هذا هو السر في أن بعض الأعمال الإبداعية تدفع إلى حب الحياة، والإقدام عليها، بيد أن هناك-في المقابل- أعمالاً تتغلغل لحظة يأسها حتى على المتلقي ذاته، وكمثال مشخص هنا يمكن الإشارة إلى رواية-المسخ- لفرانز كافكا الأكثر اشمئزازاً واستفزازاً لقارئها .