البككه.. طائر نار يعربد في كوردستان

البككه.. طائر نار يعربد في كوردستان

صالح محمود

إن وراء انتشار تنظيم متطرّف كالبككه أسباباً تتعلّق بالعقلية المتشدّدة للشعب الكردي الذي يملك ذهنية متحجّرة ذات بعد واحد، الأمر الذي وفّر تربة خصبة لهذا التنظيم، وسمح له بالنموّ والتوسّع والانتشار، وتنظيم البككه هو حزب فقط، حزب من دون قضية، فلا علاقة له بالقومية وبالديمقراطية وكذلك بالعمال وقضاياهم، وأنصار هذا الحزب حزبيون دوغمائيون فقط، أي أنهم يؤتمرون بأوامر حزبهم حتى لو جانبت الصواب، أو تعارضت مع المصلحة القومية العامة.
إنّ العَمى الأيديولوجي حجب الحقيقة عنهم، وباتوا في قطيعة مع الواقع ومتغيراته، والآپوچية آبوچيون، وهم معنيون بتنفيذ أوامر أوجلان أو من ينوب عنه فحسب، ولا تهمّهم القضية الكردية، ولا هم يحزنون.
هذا الحزب يمارس نوعاً من العربدة السياسية في كوردستان عموماً منذ الثمانينيات، ويستغلّ الشعب الكردي ونزعته القومية لمصالحه الحزبية الضيقة ليس إلا، وأنصار هذا التنظيم مؤدلجون بطريقة يلتفون حول زعيمهم وقائدهم فقط دون الالتفات إلى القضية، فالهدف عندهم يُختَزلْ في وجود القائد الرمز فقط، والطابع الذي يسود حزبهم هو طابع شمولي، مافيوي، وطابع عصابة، إذ لا يهمّ هذا التنظيم سوى مصالحه الحزبية الضيقة، فهو مستعدّ أن يضحّي بالغالي والنفيس في سبيل ذلك، كذلك فإنّ هذا التنظيم بعيد كلّ البعد عن الأصالة القومية، فكوردستان والكرد وقضيتهم لا تساوي عنده جناح بعوضة، بدليل أنّه لا يقدّس أيّ رمز من رموز الكرد من مبادئ وعَلم وقادة، وهو في أدبياته يكرّر فقط اسم آبو، كأنّ الأمة الكردية لم تنجب إلا آبو المشكوك في كرديته أصلاً.
إنّ الأوجلانية تيارٌ غريبٌ عن جسم الحركة الكردية والكوردستانية، ولا تنتمي إلى الأسرة السياسية الكردية بشيء ولا بأيّ شكل من الأشكال لأنه لا توجد قواسم مشتركة بينها وبين أيٍّ من التشكيلات السياسية، فالأوجلانية منذ نشأتها تغرّد وحدَها، ولم يشهد تاريخ بككه الطويل تحالفاً أو تنسيقاً مع أيّ كيان كردي مهما كان نوعه أو توجهه السياسي .
إنّ النزعة الأممية - بمعنى عدم اعترافه بالحدود التي تقسم كوردستان- عند هذا الحزب هي فقط ذريعة للتدخل في أجزاء كوردستان كلها، وليست إيماناً منه بجوهر القضية الكردية أو بكوردستان موحّدة، وكلّ المؤشرات والدلائل والوقائع تدلّ على وجود ترابط وتعاون وثيق بين تنظيم pkk والنظام التركي، وتؤكد على وجود مصلحة متبادلة ومؤكدة بين الطرفين.
لقد تعرّضت المناطق التي تواجدت فيها كيريلا هذا التنظيم في كوردستان تركيا إلى تمشيط من الجيش التركي، وأُزيلت مئات القرى من الوجود بحجة تواجد مقاتلي هذا التنظيم، ولم تنجُ المدن الكردية كذلك من قصف الطيران التركي والحجة دائماً تواجد هؤلاء، فتركيا إذا عقدت العزم على تدمير منطقة كردية معينة اتّبعت استراتيجيّتها المعروفة والمكشوفة، حيث تعمدُ إلى فتح المجال أولاً لهذا التنظيم بالتدخل والتوغل، وكأن هؤلاء كتيبة من الجيش التركي تأتمر بأوامره، ثمّ يبدأ التدخل العسكري التركي تحت ذريعة تواجد التنظيم، والنتيجة معروفة وهي هجرة ونزوح السكان القاطنين في هذه المناطق وإلحاق الضرر بمصالحهم، وحدوث تغيرات ديموغرافية ،في حين إنه من المفروض أن تكون النتيجة عكس ذلك تماماً، هذا بالطبع إذا صدقت رواية هذا التنظيم بأنّه يعمل ويناضل من أجل مصالح وحقوق هذا الشعب، ومن المفروض أن يُقدم على خطوات من شأنها أن تفيد الشعب الكردي وتجلب المنفعة لأبنائه لا أن يُعرضهم إلى خطر النزوح والإبادة، هذا على صعيد كوردستان تركيا .
إنّ تجربة إقليم كوردستان والمكاسب التي تحققت هي ثمرة سنوات طويلة من النضال والكفاح، ونتيجة تضحيات جسام قدّمها شعبنا هناك، لذلك يجب أن يصبّ العمل الكردي عموماً في واحة الحفاظ على هذه المكتسبات وصيانتها لا نسفها وتدميرها، في زمن بات معروفاً للجميع أنّ إقليم كوردستان مستهدفٌ من المحيط، من تركيا وإيران وحكومة بغداد ومن بعض الأنظمة العربية، والكيان الكردي في شمال العراق هو نواة لدولة كردية، فعلى الغيورين من أبناء شعبنا الحفاظ على هذه التجربة بدل تدميرها وخلق الذرائع للأعداء والمتربصين بها لتخريبها .
لقد أعلن السيد الرئيس مسعود البارزاني منذ سنوات تحرير شنكال من داعش، وعقب تحريرها من داعش تغلغلت قوات الpkk - وبدعم من حكومة العبادي آنذاك - إلى هذه المنطقة، واستوطنت فيها، وبدا من المستحيل أن تنسحب إلا باندلاع معارك ووقوع مواجهات دامية بين هذه القوات وبين بيشمركة كوردستان، وهذا ما تحرص قيادة الإقليم على تجنبه دائماً، وبين الفينة والأخرى يقدم الطيران التركي على قصف هذه المناطق بحجة تواجد وسيطرة هؤلاء على شنكال وما حولها مما يخلق حالة هلع ونزوح وعدم استقرار، والحيلولة دون عودة نازحي هذه المناطق إلى ديارهم ، وكذلك الأمر تمركز قوات هذا الفصيل بشمال الإقليم اعطت لتركيا الذريعة الدائمة لقصفهم على مدى السنوات الماضية، ولا يخفى على أحدٍ أنّ تركيا تستهدف الكيان الكردي قبل أن تستهدفهم، ومن مصلحة تركيا- العدو الأخطر للكرد أينما كانوا- خلق حالة عدم استقرار في إقليم كوردستان لأنها لا تريد لهذه التجربة أن تتكرّر في باقي الدول، وخاصة تركيا .
أمّا في كوردستان إيران فإنّ السيناريو ذاته يتكرر من الفصيل التابع لقنديل الذي يستميت ليدخل في تلك المناطق ويجلب لها الويلات، فهو الآن يحاول استغلال حالة التمرد القائمة في المدن الكردية في كوردستان إيران، ويسعى جاهداً لإعادة تطبيق تجربته في سوريا والعراق هناك ،والهيمنة على أراضي ومناطق وبناء كانتونات وتطبيق مشروع الأمة الديمقراطية المقزز، وإعطاء الحجة لنظام الملالي باستعمال القوة والعنف ضد الشعب الكردي والمساهمة في قمع انتفاضة الكرد هناك واغتيال قادتهم ورموزهم كما فعلت في سوريا، لقد كان هذا الفصيل السياسي يعمل دائماً عمل الغراب الذي إذا كان دليلَ قوم ٍ مرَّ بهم على جيف الكلاب ، قد تعوّدنا أن يصدر من هذا الفصيل أفعالاً و سلوكيات تضع الموقف السياسي الكردي في حرجٍ دائم ، ليس الآن فقط بل منذ الثمانينات عندما تأسس ، ففي كل مرة عندما يُطرح موضوع هذا الفصيل يُفرض على الساسة الكرد منطق المناورة والمواربة والالتفاف لأنه في الحقيقة هذا التنظيم كان على الدوام يضع السياسة الكردية عموماً في مأزق صعب وزاوية ضيقة ،الساسة الكرد دائماً يحتارون في كيفية تبرير تصرفات هذا الحزب العاق على المنابر الإعلامية .هذا الفصيل يشبه الحدأة أو طائر النار الذي هو أكبر مسبّب للحرائق في الغابات في العالم وقد رصد الناس هذا الطائر وهو يحمل خشبة مشتعلة أو غصناً مشتعلاً ويرميه بين الأشجار والحشائش ليزيد ويوسع من رقعة النار المشتعلة والهدف من وراء سلوكه هذا هو البحث عن مجال رزق جديد ، فهذا الطائر يتغذى على الحيوانات المشوية والمحروقة وهو بهذه الطريقة يوفر مصادر قوت جديدة وولائم ربما تكفيه لأشهر ،وقد رُصدت له فيديوهات وهو ٠يتواجد أثناء اندلاع الحرائق حتى في قلب المدن، هذا الطائر يعيش على مآسي الآخرين ،وقد أمر الرسول الكريم ( ص) بقتله حتى لو كان في حرم الكعبة ، والبككه كذلك الأمر لا يحمل للكرد إلا الحرائق والمقابر والمآسي فهو يستكثر على ابناء شعبنا العيش الكريم ،و أقصى ما يتمناه هذا الفصيل هو أن يتحول ابناء
الشعب الكردي إلى مرتزقة ومقاتلين بالوكالة ولصوص ومشردين وشذّاذ آفاق ليس أكثر .