توافق الأغلبية البرلمانية وتعارضها في الانتخابات التركية
موسى موسى
تتّجه الأنظار إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التركية والتي تجري بالتزامن معاً في ١٤ أيار القادم بين شدّ وجذب من طرف المعارضة والحزب الحاكم- العدالة والتنمية- على منصب رئاسة الجمهورية، والتي تحدد نتائجها مرحلة حاسمة من تاريخ تركيا وسط تشابك العقد والأزمات الداخلية والإقليمية والدولية، إلا أن للانتخابات البرلمانية أثرها الذي يحدّ أو يطلق يد الرئيس الفائز في توجيه سياسة الدولة الداخلية والخارجية، إضافة إلى السعي لحل الكثير من الملفات التي تأتي في مقدمتها شكل نظام الحكم وعودته من الرئاسي إلى البرلماني في حال فوز المعارضة.
وبغضّ النظر عن الديمقراطية أو ممارسة الدكتاتورية، يمكن القول إن الديمقراطية الانتخابية المتوفرة في تركيا تمنح الشعب التركي وقواه السياسية التوجّه للانتخابات والإدلاء بآرائهم بحرية يجعل من عدم التوافق بين الأغلبية البرلمانية والأغلبية الرئاسية أمراً ممكناً، وليس مستحيلاً، بل متوقّعاً في ظروف التضخم المالي والركود الاقتصادي اللذيْن يجعلان من مواليّ الحزب الحاكم وأعضائه أن يدلوا بأصواتهم الانتخابية ليس لحزبهم، وإنما للمعارضة إذا ما وجد في برنامجها السياسي والاقتصادي ما يعيد له انتعاشه الاقتصادي، وتتوافق الأغلبيتان البرلمانية والرئاسية إذا كان الحزب أو التحالف الذي ينتمي إليه المرشح الفائز في الانتخابات قد حصل على أغلبية مقاعد البرلمان أيضاً، مما يتيح للرئيس الفائز بتنفيذ برنامجه الانتخابي بيُسر ودون معوّقات من خلال أغلبيته البرلمانية، وبالمقابل إذا لم تتوافق الأغلبية البرلمانية مع الأغلبية الرئاسية سيكون وضع الرئيس حرجاً، وسيواجه موانع وعراقيل أمام تمرير سياساته من الأغلبية البرلمانية غير المتوافقة معه، وقد حدث في فرنسا أكثر من مرة في عهد شارل ديغول، وفرانسوا ميتيران، وآخرها مع إيمانويل ماكرون الذي فقد اغلبيته البرلمانية في الجمعية الوطنية الفرنسية( البرلمان) حزيران الماضي، وقد واجه أزمة شعبية عند تمرير نظام إصلاح التقاعد المتعلق بسن التقاعد، دون التصويت عليه في الجمعية الوطنية التي لا تتوافق معه (عدم التوافق بين الأغلبية البرلمانية والأغلبية الرئاسية)، مما أثار سخطاً شعبياً اندلع بشكل احتجاجاتٍ مستمرةٍ ومشاجرات مع قوى الأمن منذ أسابيع).
في تركيا، ومنذ تعديل قانون الانتخابات/ آذار ٢٠٢٢/ الذي خفّض عتبة الدخول الى البرلمان من ١٠٪ إلى ٧٪ أتاح القانون الجديد فرصة أكبر للاحزاب والتحالفات الصغيرة من دخول البرلمان، مما يفتح باباً لحزب أو تحالف الرئيس الفائز، من إقناع بعض الأحزاب الصغيرة المتجاوزة لعتبة الدخول إلى البرلمان، التحالف معها بالقدر الذي يوفّر له أغلبية برلمانية متوافقه معه، وخاصة لم يعد للأحزاب التقليدية أو المعاصرة في أغلب دول الديمقراطيات الغربية من أن يحصل على الأغلبية لوحدها دون تحالفات.
لذلك نرى أن أغلب الحكومات المتشكلة هشة، وتنهار بسرعة، أو عرجاء في مسيرتها في إدارة الدولة سياسياً واقتصادياً، وهذا ما ستشهده تركيا إن لم تتوافق أغلبيتها البرلمانية مع الرئاسية بعد انتخاباتها المقبلة في منتصف أيار المقبل.