الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي

محمد رجب رشيد

مِمّا لا شكّ فيه أنّ تاريخ الإنسانية حافِل بالاكتشافات والاختراعات، البعض منها غيّرت نوعيّة حياة الإنسان إلى الأفضل، بحيث ما بعدها لمّ تعُدْ كما كانت قبلها، من أهمِّها اكتشاف النار، اكتشاف الجاذبية الأرضية، اختراع المطبعة، اختراع محرك الاحتراق الداخلي، اكتشاف الكهرباء، أخيرًا وليس آخرًا الذكاء الاصطناعي.
على مرِّ التاريخ لم يكُن الذكاء الاصطناعي غائبًا تمامًا عن الإنسان، بل كان حاضِرًا في مُخيِّلة وأحلام الحُكماء والعلماء، ثمّ تجسّد في روايات وأفلام الخيال العلمي قبل أن يصبح واقِعًا مُعاشًا، فتارةً ما كانت تُسلّط الضوء على الجوانِب المُشرِقة للذكاء الاصطناعي المفترض، والإضافة المتوقّعة منه على الحياة، وتارةً أخرى كانت تُسلّط الضوء على الأضرار الجانبية المحتملة، وتصوّرِه كوَحشٍ كاسِرٍ قد يُسيطر على الإنسان في حال تركه دون ضوابِط.
في العام ١٩٢٣م تخيّل رسّام الكاريكاتير الأميركي -ويبِستر- آلة ستظهر بعد قرن من الزمن، تعمل على الكهرباء، سيكون باستطاعتها توليد الأفكار. رَسَمَ ويبِستر آلة المستقبل على شكل كاريكاتير، يظهر فيه شخصٌ يقف إلى جانب مكتبه منشغلًا بالتخطيط للمناسبات الاجتماعية، بينما تقوم مولدة الأفكار بطرح أفكار جديدة، تحوّلها أداة الرسم إلى أعمال فنيّة على الفور. نُشِرَ الكاريكاتير حينها في صحيفة نيويورك وورلد.
المُلفِت للنظر هنا أنّ المُخطط الذي تخيّله ورسمه ويبِستر بشكل ساخر كان مشابهًا إلى حدٍ ما لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التي توصّل إليها العلماء والمُبرمِجون بعد قرن من الزمن، ولا سِيّما التطبيقات المولِّدة للأعمال الفنية والتي شهدت انتشارًا واسِعًا خلال السنوات الماضية وأصبحت واقِعًا ملموسًا لا شكّ فيه.
إنّ الذكاء الاصطناعي ليس كَذكاء الإنسان، وإنّما هو عملية حَوسَبة قوية وسريعة جدًا، نسبة الخطأ فيها شبه معدومة، يتفوّق على الإنسان عندما تكون القواعِد مضبوطة لا تتغيّر مثل لعبة الشطرنج، بينما في مجالاتٍ أخرى عندما يكون دور الإنسان فيها هو الطاغي مثل التنبّؤ بنتائج الانتخابات وحدوث الأزمات بمختلف أنواعها، عندئذ الذكاء الاصطناعي يُعطي أخطاء صادِمة، وأحيانًا تكون النتائج عكس المتوقّع تمامًا.
من المعلوم أنّ جميع معالِم الحضارة الإنسانية هي نِتاج الأفكار التي سبقها كل من الخَيال والحُلم. فالخيال مهد الإبداع، حدوده تتجاوز العالم إلى العوالِم الأخرى، أمّا الحلُم فهو الذي يجعل الخيال واقِعًا، لو لم يحلم الإنسان باختصار زمن قطع المسافات الطويلة لما كانت القطارات والسيارات، لو لم يحلُم بالطيران لما كانت الطائرات والمركبات الفضائية، ولو لم يحلُم بمعرِفة ما يوجد في أعماق البحار لما كانتِ الغواصات، إلّا أنّ الحُلم الأكبر للإنسان كان منظومة آليّة تُحاكي عقل الإنسان في نمط تفكيرِه وسلوكِه وتفاعلِه مع العالم المحيط به.
مع بدايات القرن الحالي خرج الذكاء الاصطناعي من روايات وأفلام الخيال العلمي ومن مختبرات البحوث العلمية إلى الواقع، ليتطوّر، ويُصبح أداة رئيسية في صُلب جميع القطاعات، وجزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، ابتداءً من مساعدتنا في التنقل ضمن المدن وخارجها، وتجنُّب ازدحام المرور وصولًا إلى استخدام مساعد افتراضي لِأداء بعض المهام الصعبة، مثل تمكين الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة من الحصول على الاستقلالية والإنتاجية.
يُصنف العلماء تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي من حيث القدرات التي تميّزها ومستوى محاكاتها لذكاء الإنسان وسلوكه، وتطبيقاتها الواقعية إلى ثلاثة مستويات. في المستوى الأول يأتي الذكاء الاصطناعي الضيق أو الضعيف، هذا النوع من الذكاء يُحاكي سلوك الإنسان دون ذكائه فقط ، وعلى الرغم من قُدراته المحدودة إلّا أنّه يعمل بكفاءة عالية، وهو مصمّم بالأصل لأداء المهام الفردية المُبرمجة للقيام بها، كالتعرُّف على الوجوه والأصوات، والقيادة الذاتية للمركبات، وإدارة الفنادق والمطارات، فضلاً عن الروبوتات التي تعمل في مصانع الأدوية، الأغذية، وإنتاج السيارات، ... إلخ.
في المستوى الثاني يأتي الذكاء الاصطناعي العام أو القوي، رغم أنّ هذا النوع من الذكاء مازال في بداياته إلّا أنّه يتميّز بِمُحاكاة ذكاء الإنسان وسلوكه معًا، ويتساوى مع قدراته في أداء بعض الوظائف كَالتعلّم وإيجاد حلول لأي مشكلة قد تواجه أنظمة العمل.
أمّا المستوى الثالث فهو ذكاء اصطناعي افتراضي فائق الدِقّة، لم يرَ النور بعد، ومن المتوقّع أنْ يتجاوز محاكاة وفهم سلوك الإنسان، ويتفوّق عليه بحيث تصبح الآلات مُدرِكة لذاتها.
في عالم كُرة القدم كانت أخطاء الحُكّام من أهم المشاكل التي يُعانيها منذ نشأتها، أحيانًا كانت تُلحِق الظلم ببعض الفُرَق أو المنتخبات، وتغيّر نتائج المباريات بحيث تذهب الألقاب إلى غير مستحقّيها. فالحكم بالنهاية إنسان وليس آلة، يتوجّب عليه إتخاذ القرار خلال ثواني معدودة عن كل حالة من حالات اللعبة، ولا رجعة له بعد اتخاذ القرار بغض النظر عن صحّتها أو عدمها. بعد اعتماد تقنية الفار (VAR) عام ٢٠١٦م اختفت الأخطاء التحكيمية -إلّا ما ندر- خاصةً حالات ضبط التسلُّل ومنح ضربات الجزاء. لم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ، بل ساعدت التقنية الجديدة على جدولة البيانات لكُل بطولة، ولكُل نادي، ولكُل مباراة، بل ولكُل لاعب أيضًا، والعمل جارٍ منذ الآن على اختصار دور الحُكّام في البطولات القادمة على إيصال القرارات التي تصلهم من غرفة الفار(VAR).
من خلال مِا سبق نجد أنفسنا أمام عِدّة تساؤلات أهمُّها: ما هي حدود هذا المارِد التكنولوجي؟ وإلى أين سيأخذنا في قادم الأيام؟ وأين نحن منه؟!
إنّ ما يميّز الذكاء الاصطناعي هو الانتشار السريع في كافة أنحاء العالم، وقطف ثِمارها من قِبل جميع الشرائح الاجتماعية، مع فارِق مهم هو أنّ الذي يقتني الذكاء الاصطناعي، ويستخدمه ليس كَصانِعه، مثلما الذي يقتني السيارة، ويستخدمها ليس كَصانِعها!