ما أصعب أن تكون إنساناً!!

ما أصعب أن تكون إنساناً!!

علي مسلم

مستوى السُّوء الذي ظهرت عليها حكومات ما خلف البحار، لم تكن أقل سوءاً مما بدا عليه الحال ضمن أغلب البيئات المحلية المتحكمة، وذلك في سياق التّعاطي مع تبعات الكارثة، والسّعي نحو إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح، ربما تجاوز ذلك مستويات مداركنا على نحو ما، لكنها كانت سيئةً في مجمل الأحوال، وما زاد الأمر سوءاً هو ما حصل من خلط متعمد بين مصير المنكوبين وقضايا السياسة، أو قضايا المنفعة، أو الاثنين معاً، فالكارثة التي حلت على البلاد والعباد فجر السادس من شباط الجاري لم تكن من صنع الأيادي، ولم تكن مفبركة، لكنّ التّعاطي مع تبعاتها كانت مصنوعة ومفبركة، وربما أكثر من ذلك بكثير، ولاسيما من قبل تُجّار الأزمات والكوارث، وشبيحة الزلازل في الجوار القريب والجوار البعيد.
فبدلاً من إعلان حالة الطوارئ والإعلان عن المناطق المنكوبة، استنفرّت المؤسسات اللاأخلاقية في عاصمة الوطن ودهاليزها، ووجّهت جلّ مساعيها الطيبة نحو تعفيش المعونات، والسَّطو عليها على صورة زلزال أخلاقي، فالزلزال الأخلاقي لا يقلُّ خطورة من الزلزال الطبيعي، وإن آثار الزلزال الطبيعي ستزول آثارها بالتقادُم مع مرور الوقت، وسينسى المنكوبون ما حلّ بهم بصورة أو بأخرى، لكن كيف ستمحو الأيام ما ترسّخ في الوجدان من سوء؟!
بدورها استنفرت زوجة رأس النظام وسيدة القصر الأولى في دمشق صبيحة يوم الفاجعة، وأوعزت لمعاونيها على الفور بأن ينصبوا فخاخهم على طريق المعونات المرسلة، واستولوا بذلك على الأموال القادمة عبر حسابات وهمية أنشئت على وجه السرعة لهذه الغاية، يبدو أنها لم تشبع بعد مما جنته من أثمان دماء الملايين من ضحايا الحرب في سوريا، كما أنها استولت بمعرفتها وعبر نفوذها الواسع على المعونات المادية القادمة، لتوزَّعها فيما بعد على أتباعها ومناصريها، أما جمهور المتضررين فما زالوا يجترون أوجاعهم وآلامهم في البراري، يداعبون البرد لعلّه يقلل من وطأته عليهم ولو لبرهة.
أما المجتمع الدولي فما زال يسير على هدى بارومترات السياسة المعهودة، يضعون مصالح شعوبهم وأوطانهم في مقدمة أولوياتهم، ويديرون مؤخّراتهم للمتضرّرين الذين يفترشون العراء في المناطق المنكوبة هنا وهناك، لا يهمهم من سيموت؟! ولا من سيبقى منهم على قيد الحياة؟ فمن السهل أن يحظى الجميع على سمات تشبه البشر، لكن من الصعب أن يحظوا بسمات توفر لهم بعض مزايا الإنسانية الحقة
قال بيكاسو ذات يوم «ما أصعب أن تكون إنساناً في هذا الزمن! كن إنساناً وكفى .. أو مت وأنت تحاول؟