إرادة الشعوب أقوى من الطغاة
كوردي زيوكي
الشعوب وحدها من تصنع التاريخ، ووحدها من تقرر مصير اليوم، وعناوين ملامح الغد، كما انها هي وحدها التي تصنع مستقبلها، ومن أجلها تكتب الدساتير والقوانين، وهو شاهد اثبات لا يطعن في شهادته احد.
إن ارادة الشعوب أقوى من كل أسلحة الطغاة مهما كانت حديثة ومدمرة، وهي القادرة على إزالة المستبدين والمستكبرين، وتهز بها عروش الظالمين ان الارادة الخيرة هي من إرادة الله، لذا ينطبق هذا المبدأ على الشعوب التي تكافح في سبيل التحرر والانعتاق من القيود.
الانسان الذي يضحي بحياته ويأبى الذل والمهانة يصنع مجد الأمة وكرامتها وعزتها، يصنع اسس الحضارة، وقد تجلى هذا الأمر بجليّ في الأجزاء الكوردستانية التي صمدت أمام جبروت الأنظمة الأكثر دموية وشراسة على مرّ التاريخ وإلى يومنا هذا، فان إرادة الشعب الكوردي ستنتصر عاجلا أم آجلا لأن الغلبة للشعوب لا للظالمين.
لقد خاض الشعب الكوردي الأبيّ عدة ثورات وانتفاضات منذ قرون مضت، ولا سيما في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بدأت نهضتها القومية، فإمتلك الإرادة الصلبة والعزيمة التي لا تلين بوجه عنجهية الحكام الذين استعبدوا العباد والبلاد.
إذ قدّم دروساً وعبرًا في معاني الكفاح والتضحية، ثم سطروا بدمائهم الزكية أروع ملاحم البطولة والفداء في كل العصور التاريخية دفاع عن الأرض والهوية.
لعل شعبنا الكوردي في كوردستان العراق خير شاهد على ذلك ويضرب بها المثل، بدأ كفاحه الثوري ضد الأنظمة والحكومات المتعاقبة على السلطة في بغداد، هذه السلطات التي حاولت مراراً وتكراراً في زرع مفاهيم العنصرية والتفرقة بين أبناء الوطن، وأخذت على كاهله إلغاء الوجود القومي للشعب الكوردي. بدأت الثورة وانطلقت شرارتها من منطقة بارزان بقيادة الشيخ عبدالسلام البارزاني ضد أعتى قوة عسكرية عرفها العالم ثم بعدها توالت المسيرية النضالية لهذا الشعب حتى وصل إلى أبرز الثورات التحررية الكوردستانية، التي غيرت مجرى التاريخ الحديث بل كانت اعظمها، انها ثورة أيلول عام 1961 بقيادة الزعيم والأب الروحي للأمة الكوردية الملا مصطفى البارزاني الخالد، بشهادة منصفة من مؤرخي ومفكري وكتاب وفلاسفة الغرب والعرب، ومنقذ شعبه، والنموذج الأرقى للإنسانية التي توجت بالنصر المشرف.
اعترفت الحكومة المركزية في بغداد بالحكم الذاتي وشراكة الكورد والعرب في البلاد، ثم بعدها انتفاضة عام 1991 والإعلان عن إقامة إقليم كوردستان الفيدرالي، وتشكيل برلمان وحكومة منتخبة من الشعب، ولا يزال مستمراً في كفاح دؤوب بإرادة صلبة إلى يومنا هذا في مواجهة كل المؤمرات والمخططات التي تحيكها أعداء الكورد وكوردستان. وأيضاً لم تكن إرادة الشعب الكوردي في الأجزاء الأخرى ضد الطغاة أقل عنفوانا وقوة أو شعورا بالإنتماء عن إخوتهم في الإقليم المحرر، بل توالت وإندلعت فيها الثورات والانتفاضات الشعبية شمالي كوردستان ضد الأنظمة الفاشية الطورانية، التي أنكرت حقوق الشعب الكوردي وحريته وضربته عرض الحائط، الذي عرف بأصالته المتجذرة المستمدة من التاريخ والتراث الحضاري، لذلك كان من الطبيعي المطالبة بحقوقه المشروعة وبحريته المسلوبة، قامت عدة ثورات كانت أبرزها ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925 كـ رد على الممارسات والانتهاكات اللاإنسانية وهي مستمرة إلى يومنا هذا، كذلك الأمر في شرقي كوردستان ومنذ الاعلان عن قيام جمهورية مهاباة الفتية برئاسة قاضي محمد عام 1946 لم يبقَ الشعب الكوردي مكتوف الأيدي بل واجه جبروت الأنظمة الطائفية وطغاة إيران بكل بسالة وإصرار، إلى أن اشتعلت شرارة الانتفاضة الشعبية مهسا اميني ثم تمددت وانتشرت كالبركان دون خوف على كامل أرض كوردستان إيران ومدنها عامة، طالما هذا الشعب ينبض بالحياة فلديه القدرة على ان يقول كلمته ويصل لمبتغاه في نهاية المطاف.
أما في غربي كوردستان ونتيجة لطبيعته الجيوسياسية بدأ كفاحه السلمي ضد الانظمة العسكراتية والحكومات الدكتاتورية في دمشق منذ جلاء آخر جندي فرنسي عن الأراضي السورية عام 1946، سميَّ بيوم الاستقلال ثم وبعد ذلك منع من قبل الحكومات الاستبدادية والطاغية في سوريا دون المشاركة الحقيقية لأبناء الشعب الكوردي في إدارة البلاد، وأيضا إتباع نهج العداء والتمييز العنصري، وإتخاذ القرارت من الحزام العربي وقانون الاحصاء الاستثنائي الذي يعتبر نموذج صارخ للظلم والاجحاف بحق أبناء الوطن، ومازالت مستمرة إلى وقتنا الراهن، إلا ان الشعب الكوردي أبى الخضوع والذل أو القبول بهذا الواقع المرير، وخير شاهد على ذلك إنتفاضة عام 2004 وكانوا السباقين للوقوف بجانب الثورة السورية عام 2011، حاملين أرواحهم على الأكفان، وصدور عارية في مواجهة النظام الدكتاتوري، حيث اسشهد العشرات من أبنائه.
يواصل الشعب الكوردي كفاحه الدؤوب في سبيل الحرية والكرامة والعدالة والعيش الكريم، ثم واجه عبر عقود ماضية أعنف وأبشع انواع حملات التنكيل والإبادة الجماعية. رغم كل ما جرى ويجري ظل متمسكا بأرضه، ومحافظا على هويته، بقييت هامته عالية التي لا تزيله أي رياح عاتية، لم ينحنِ لغدر الزمان.
إقليم كوردستان قد قطع أشواطًا هائلة بمختلف المجالات، واجتذب من الاستثمارعمالقة الشركات الاجنبية، سائرا بذلك نحو الاستقلال، ويعود الفضل الرئيسي إلى قيادته الحكيمة، ثم انتهج سياسة واضحة بإتجاه تعزيز علاقاتها الإقليمية، وتعزيز دورها في المنطقة، وهذا ما أعطى الدافع للأجزاء الكوردستانية الأخرى زخما وحماسا يزيد من إرادته نحو تحقيق أهدافه، ومطالبة حقوقه وحريته المسلوبة.
رحم الله الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي فأنارت قصيدته دروب الثائرين في كل العصور، وجاء ذلك خلال الكلمة التي القاها الرئيس مسعود البارزاني في الذكرى الخامسة للاستفتاء عندما قال: "إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر". يقف الشعب الكوردي اليوم بندية وثبات في مواجهة الطامعين وطغاة العصر الذين توهموا أن هذه الامة العظيمة قد ماتت، وانصهرت في بوتقتها، فتداعوا عليها وتقاسموا إرثها، ونهبوا خيراتها. لذا السعي لتعويم الانظمة الفاشية، وإنها ستجلب الديمقراطية من جديد هي أكاذيب واهية وطعنة في الظهر، الشعوب لم يعد يصدقها، ذهبت تلك الأيام أدراج الرياح.
اعتقد ان إرادة الشعب الكوردي هي أقوى عزيمة، وهي أشد تصميم وأكثر ثبات من ذي قبل، وما عداها متغير، وإن حريته باتت بين قوسين أو أدنى، متسلح بالإيمان المطلق بعدالة السماء.
قال الله تعالى في كتابه "وسيعلم الذين ظلموا بأي منقلب ينقلبون" الشعراء227. سلام إلى أرواح شهداء الكورد وكوردستان، وإلى تلك الدماء الذكية.
سلام إلى روح الأب القومي للأمة الكوردية الملا مصطفى البارزاني الخالد، وإلى كل عظماء الأمة الذين سجلهم التاريخ في صفحاته بحروف من ذهب.