المجتمعات المتقدمة... متقدمة بعدد محاميها وقانونييها أيضاً

المجتمعات المتقدمة... متقدمة بعدد  محاميها وقانونييها أيضاً

عبدالله كدو

ماذا لو أشركتْ المؤسسات، من الأطر والأحزاب السياسية السورية، بمختلف تلاوينها القومية والدينية والعلمانية وغيرها، عدداً من القانونيين والمثقفين السياسيين المستقلين، لمناقشة مشاريع أنظمتها الأساسية (الداخلية) ..في سياق مأسَسة الحياة السياسية للمعارضة، تمهيداً للانتقال إلى سوريا المنشودة، دولة القانون والديمقراطية، وللحدّ من الإفراط في الانقسامات الحزبية، حاضراً ومستقبلا، حيث أن معظم أسباب الانقسامات تأتي تنظيمية، وأحياناً تكون سياسية بلبوس تنظيمي، نظراً لضعف التجارب السياسية ومنها الحزبية، لأن السياسة كانت ممنوعة في سوريا على مدى ال65 عاماً الفائتة.
فغياب الضوابط الواضحة لتوزيع الصلاحيات والواجبات ترك أثره البالغ على الأداء السياسي للمعارضة، هذا إن تركنا الأسباب السياسية والمال السياسي جانباً في هذه العجالة، حيث كانت، ولا تزال، آثارها ماثلة في مختلف أجسام المعارضة الوطنية السورية، وعليه أعتقد، جازماً، أن غياب الصياغة القانونية، الواضحة والمفصلة عن الأنظمة الداخلية للتنظيمات والأطر السياسية، هو أحد أهم أسباب ضعف سويّة التعايش تحت سقف تنظيمي واحد، حيث لا يوجد نصٌّ واضحٌّ يقَوْنن ويحدد المساحات المتاحة لتنافس التيارات المتباينة ضمن الإطار أو الحزب الواحد، مع الحفاظ على استمرار تعايشها وتعاونها معاً، فَلَطالما استهَلك التنافس والتجاذب الداخلي، إن لم نقل الصراع، بين الأجنحة المختلفة ضمن التنظيم الواحد، جلّ طاقته، ذلك على حساب الصراع الأساسي المزعوم المعلن، فالاحتكام للقانون الذي يرسم الخطوط الخضر والحمر أمام تحرك الفاعلين الموزعين على هرم تنظيمي واضح المهام والصلاحيات، ويحقّق سير المتابعة والمساءلة المستمرتين ، بعيداً عن الشخصنة، يوفّر الأرضية الجيدة لسير العمل السياسي بنجاح، وكذلك لتراكم الخبرات والحفاظ عليها، في أرشيف يشكّل سنداً ومرجعاً للأيام القادمة، وهو( الاحتكام للقانون) الكفيل لتحقيق التطور والتوسع للأطر السياسية، حيث كانت تلك الأطر السورية بشكل عام، ومنها الكردية بشكل خاص، تفتقر دوماً لأية أوراق تحمل عُصارات نظرية أو خبرات عملية سابقة، تنطلق منها أو تستند إليها بعض الشيء، فكانت التنظيمات والأطر تشعر، دوماً، أنها تبدأ من جديد، فالاحتكام للضوابط والقوانين الناظمة هو سر استمرار تعايش العناصر المتفاعلة مع بعضها البعض تحت سقف ذلك الإطار أو الحزب الواحد، وهنا من المفيد التذكير بأن الضبابية في الأنظمة الداخلية للأطر السياسية تتيح الفرصة لتمرير مآرب فئوية أو شخصية للمتنفذين فيها وتسجيل مواقف سياسية معينة تخدم مصالحهم الخاصة، حتى لو كانت ضد المألوف الملتزم به والخط العام، علماً أن المصالح ليست بالضرورة مادية فقط، ذلك بالاستفادة من تداخل الصلاحيات وضعف آليات المساءلة، الأمر الذي يجعل من الإفصاح عن الحقيقة وإبداء الاِعتراض، عندما يشعر بعض الأشخاص من الكوادر ضمن الإطار بأنه يتم تجاوز غايات وأهداف الإطار، أمراً ليس سهلاً، علماً أن هذا النوع من الأشخاص، الذي يتلكأ أو يفشل في الإفصاح عن الحقيقة، يختلف عن نوع آخر ممن لا يفصح عن الحقيقة الواضحة لأنه شخص مُضلّل تحت تأثير الآيديولوجيا أو العاطفة.
وهنا لا يشمل موضوعنا النوع الذي يتغاضى عن الحقيقة لأنه لا يمتلك الجرأة الكافية للدفاع عنها والاستعداد للتضحية في سبيلها، حيث أن هكذا أشخاص ليس بالضرورة أن يكونوا مسيئين لغيرهم بشكل مباشر، فقد يكون أولئك الأشخاص ودودين وكرماء ومتعاونين في الوقت نفسه، لكن الخطر المخيف يقع عندما توفّر ضبابية الأنظمة الداخلية وخواءها المجال أمام البعض من "الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف" للتغول على الإطار أو التنظيم وتسويق التّنصّل عن الأهداف على أنه نوع من الواقعية أو التكتيك أو غيرها من المصطلحات التي تفيد التمويه.
وهنا يحضرني، ما ذكره الأكاديمي السوري د.نجيب الغضبان عن استغرابه، عندما انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، من كثرة عدد المحامين فيها، الأمر الذي يؤكّد على أن ترسيخ ركائز الحياة الديمقراطية واحترام الاختلاف الذي يولّد التطور، مرتبط باحترام القانون والاهتمام بالقانونيين.