الصراع العالمي الحاد وانعكاسه على الشرق الأوسط وكوردستان
فيصل نعسو
من أجل التحديد الدقيق، من وجهة نظرنا المتواضعة، لآفاق الصراع العالمي الحاد وتأثيره على سير تطور الشعوب والدول والحكومات في الشرق الأوسط بما فيها شعبنا الكوردي، لابد من إلقاء نظرة سريعة على خارطة الدول الكبرى والإقليمبة منها السائرة في فلك كل منها (تركيا، إيران، الدول العربية) والمنخرطة في هذا الصراع المخيف والمتنافسة فيما بينها للحفاظ على مكانتها العالمية السيادية، والإبقاء على هيمنتها الإقتصادية وتفوقها العسكري.
إن التصور الصحيح والرؤيا الثاقبة لما يجري في العالم وحولنا، يساعدنا ككورد على تبني سياسة تخدم أهداف ومصالح شعبنا في كل جزء من وطننا المجزأ، وتجنبنا الدخول المباشر أو غير المباشر في مجرى هذا الصراع الشرس الدائر الآن. إذ تنحصر مطالبنا القومية في حق تقرير المصير حاليا (الحقوق الثقافية والإدارية، الفيدرالية، الكونفيدرالية) داخل حدود الدول المعنية. لذا يجدر بنا ألا ندخل في أوار نيران المعارك المتعددة الأوجه الدائرة بين الدول الكبرى في أوروبا، وربما تنتقل قريبا إلى مناطق أخرى في العالم (كما يحصل الآن في إيران وغيرها) في الفترة الراهنة؛ ولاسيما أن الكورد يشكلون الحلقة الأضعف والضحية السهلة في الصراع بين الجبابرة عالميا وإقليمياً ومحلياً.
الآن، ننتقل إلى تبيان الأهداف المحددة للدول الكبرى ، و تحالفاتها في العالم وأوروبا والشرق الأوسط. و ما هو موقع الكورد و كوردستان فيها؟ و ما هو المطلوب من القوى والأحزاب والزعماء والشخصيات الكوردية الوطنية البارزة في سير هذه الموجة الخطيرة من المواجهة الحامية الوطيس بين تلك الدول و التحالفات؟
كما هو معلوم، بعد انهيار ما يسمى بالمعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفيتي في نهاية الثمانينات، وبداية التسعينات، أصبحت أمريكا وحلفاؤها في الناتو القطب الأوحد على الساحة الدولية، وبدأت تسرح وتمرح كما يحلو لها في مناطق مختلفة من العالم، تطيح بحكومات منتخبة بكامل هياكلها الإدارية تارة، وتنصّب حكومات موالية لها تارة أخرى بحجة الدفاع عن حقوق الإنسان، والديموقراطية، وحقوق الأقليات القومية والدينية. هذا طبعًا حسب وجهة نظرها، وتناغمًا مع مصالحها الإقتصادية وأهدافها الجيوـ سياسية في تلك الدولة أو غيرها.
استمرت الحال على هذه الشاكلة حتى بداية عشْرية القرن الـ21 ، حينما استعادت روسيا بقيادة ف. بوتين عافيتها الإقتصادية، وقوتها العسكرية النووية، وتطوير أسلحتها الإستراتيجية التقليدية، بحيث تفوقت روسيا بالتدريج في بعض صنوف الأسلحة، ولا سيما النووية منها ، على أمريكا و دول الناتو مجتمعة.
خلال هذا الردح من الزمن، نسجت روسيا شبكة متعددة الأهداف والأوجه من التحالفات والإتفاقيات الإقتصادية والعسكرية والإسترايجية مع دول العالم في آسيا وأفريقيا و أمريكا اللاتنية، وحتى مع بعض الدول الأوروبية في مواجهة التحالف الغربي في دول الناتو، وعلى الأخص الأنكلو- سكسون (أمريكا و بريطانيا واستراليا) .
نتيجة ذلك تشكلت عدة تحالفت بين روسيا ومحيطها الإقليمي. ولعل إحدى أهمها هي مجموعة برِكس 2011 المؤلفة من البرازيل وروسيا والصين والهند وجنوب أفريقيا. وهي تستقطب الآن عدة دول عربية وآسيوية ولاتين-أمريكية.
تُعدّ روسيا والصين العمود الفقري لهذا التحالف والقوتين الضاربتين عسكريا واقتصاديا فيه. فقد دخلتا بنجاح في المواجهة العسكرية المباشرة والحرب العالمية الإقتصادية والإعلامية في كل سوريا وفنزويلا وما دار ويدور بين الكوريتين سابقا، وعلى أراضي أوكرايينا حاليا مع حلف الناتو عامة و الأنكلو- ساكسون خاصة.
ما يهمنا نحن الكورد هنا، هو سعي كل من تركيا وإيران ودول عربية إلى الحلف المذكور، لأن ذلك يفرض علينا أن نفكر بترتيب أوراقنا حسب الظروف المستجدة المحيطة بنا. و إلا ستتكرر المآسي والكوارث التي عانينا منها على مرّ تاريخنا الحديث .
إن المؤسسة التركية الحاكمة عامة (المعارضة منها أو الحاكمة) تعلم علم اليقين، إن الاعتراف بأي حل مرتبط بالحقوق القومية للشعب الكوردي في تركيا ستؤدي شيئا فشيئا إلى تفككها. لذلك تسعى تركيا بشتى الوسائل إلى إقناع الدول الحليفة في الناتو وغير الحليفة لها كروسيا والصين إلى خطورة مثل هذا الطرح حتى بالحد الأدنى منها، واعتبار ذلك تهديد لأمنها القومي والإقليمي ، وتغيير لجغرافية الدول المعترف بها دوليا. والطامة الكبرى هنا، أن جميع تلك الدول تتوافق مع تلك الرؤئ التركية، لأجل الحفاظ على مصالحها الإقتصادية واستراتيجياتها الجيو- سياسية في تركيا ؛ لأنها تعتبرها الجسر الواصل بين أوروبا والشرق الأوسط براً و بحراً وجواً . لهذه الاسباب لا يجري التطرق إلى حق الشعب الكوردي في تقريرمصيره في المحافل الدولية، وكأنه لا وجود لكوردستان باكور (ولايات جنوب - شرقي أناضول ، حسب التسمية التوركية)
في العقدين الأولين من القرن الـ21 الحالي، استغلت الحكومة التركية هذه الظروف المؤاتية لسياستها أحسن استغلال باللعب على التناقضات بين الدول الكبرى المتنافسة على توسيع نفوذها في الشرق الأوسط. فبدأت تركيا التدخل في شؤون الأجزاء الكوردستانية الواقعة في سوريا والعراق بحجة محاربة الإرهاب وحماية أمنها القومي، دون الإقتراب من أهداف ومصلح حلفائها وأصدقائها الكبار في كلا البلدين. و مما زاد الطين بلة، هي سياسات ومواقف بعض القوى الكردستانية غير الواقعية تجاه الحلول المقترحة من قبل القوى الصديقة للكورد في العالم .
أما إيران فلديها نفس المخاوف، كما هي لدى تركيا، من البحث عن الحلول الواقعية لحق الشعب الكوردي في تقرير المصير. لكننا هنا ككورد نصطدم أيضاً بمصالح واستراتيجيات الدول الكبرى المتصارعة فيما بينها بشكل مخيف للحصول على ما هو ضروري من موارد الطاقة (الغاز والبترول) فيها، وإيجاد موطئ قدم لها على موقعها الإستراتيجي المُطلّ على الخليج العربي (الفارسي) لذا يجب علينا نحن الكورد الحذر الشديد من سياسات الدول المتنافسة على النفوذ في إيران، وألا نتحول إلى حجرة دمى على لوحة الشطرنج نتحرك وفق ما يتناسب أهدافها واستراتيجياتها. إلا في حال تناغمها مع ما هو هام ومفيد لمصلحنتا ولحقوق شعبنا الكوردي بشكل عام، وكوردستان إيران بشكل خاص.
بيد أن هذا لا يعني عدم التعامل والتفاهم مع تلك الدول بروح الصداقة والمصلحة المتبادلة بين الطرفين، لأننا هنا لسنا بصدد التنافس معها. فحذاري، ثم حذاري الوقوف بجانب إحداها وتحالفها ضد أخرى معادية لها. فلا حول ولا قوة لنا الدخول في صراع الجبابرة .
بهذه المناسبة، فإن ما يجري الآن في إيران هي نتيجة ذات الأسباب المشارة إليها أعلاه. لذا يستوجب علينا نحن الكورد أن يكون لنا موقف مرن من الأحداث، وألا نكون رأس الحربة في المعركة الدائرة بين الحلفين المعاديين. فحماة إيران الحاليين (روسيا والصين ومعهما المعسكر الشيعي، و كل المعارضين لأمريكا وحلفائها في العالم) في مواجهة دموية حاسمة مع المعسكري المعادي لهم، ولن يسمحوا بإسقاط النظام الحليف لهم.
بما إن مسألة حسم الصراع مع النظام في إيران فوق طاقتنا، ومرتبط بحسم الصراع الجاري في العالم. وهذه حقيقة. فما علينا إلا الانتظار والتراقب من بعيد لنرى كيف سيتصرف الخصم القوي لها، وما هي الإجراءات المناسبة التي سوف يتخذها في مجرى هذا الصراع الخطير بين الأطراف المتخاصمة على مناطق النفوذ والسيطرة، وإقامة التعددية القطببة في العالم .
اتخذت الدول العربية، ولاسيما الدول ذات التأثير العالمي والإقليمي كمصر ودول الخليج والجزائر وغيرها، منحى جديدة في توجهاتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية، من خلال مواقفها العملية في منظمة الدول المنتجة للنفط (أوبك) وفي اللقاءات العربية – العربية والثنائية الدولية وفي المؤتمرات العالمية، للخلاص من فرض هيمنة القطب الواحد، والقرارات الجائرة الصادرة منه للتحكم بمواردها وثروتها وبمصير شعوبها ودولها، في أتون هذا الصراع المرعب بين الدول الكبرى الطامحة إلى المزيد من بسط الهيمنة و النفوذ في العالم أجمع.
إلى جانب هذا، بفضل موقع البلدان العربية الاستراتيجي، وعدد سكانها البالغ الآن حوالي 500 مليون فرد، وما وهبه الله لها من ثروة مادية و موارد طبيعية لا غنى عنها لأية دولة تجعلها ذات تأيثر كبير على الساحة الدولية، وترجيح كفة الميزان لمصلحة أحد المعسكرين المتخاصمين في عملية هذا الصراع المحتدم في العالم. لهذا نرى الآن سعي القسم الأكبر من الدول الكبرى في كلا الحلفين المعاديين إلى التقرب من الدول المعنية وعقد التحالفات معها .
لكن الأهم من كل ما ذكر أعلاه ، يقع جزءان من وطننا كوردستان ضمن جغرافية دولتين منها؛ وهي العراق وسوريا. لهذا يجب أن نأخذ نحن الكورد بعين الاعتبار مستجدات التوجهات الجديدة على الساحة الإقليمية والدولية، وألا ننجر إلى مزالق خطيرة لا تخدم حق شعبنا في تقرير المصير (الإدارة المحلية ، الفيدرالية ، الكونفيدرالية.....الخ ) في كلتا الدولتين، بفعل الضغوط الكبيرة علينا من قبل وأصدقائنا عالميًا و إقليميًا .