في سوريا حلم ابليس

في سوريا حلم ابليس

عبدالحميد جمو

عاثوا فسادا، تناحر وصراعات وحروب بالوكالة، تسابق لكسب نياشين الذلّ، عيون خاوية بانتظار انتهاء اسيادهم من التهام المائدة ليظفروا هم بالبواقي ونهش العظام ، فساد وإفساد، رعب وإرهاب وترويع، شاخصات الشوراع وجدرانها مكدسة بصور الضحايا وكتابات ورسومات رمزية، تصرفات لا أخلاقية تفوق قدرة العقل لتقبلها كل ما يقع عليه نظرك شاذ، تناقض في كل شيء مظاهر الترف والبذخ وسط فقر متقع، الشوراع والاحياء مزدحمة بالآليات الحديثة وسط أزمة خانقة لفقدان المحروقات، ابنية شاهقة ومخيمات اللجوء، المطاعم منتشرة ومكتظة وحولها مشردون يتسولون، اكداس من أكياس الطحين والناس تنتظر في الطوابير للحصول على رغيف الخبز، صور غير مألوفة لشباب وشابات وقصص وروايات عن أحداث قتل وهتك عرض وسطو مسلح وعلاقات مشبوهه تعاطي وإدمان، ازدياد حالات البؤس انتشار الفقر معاناة من العوز ووجوه غريبة من حولنا تتمتع بخيراتنا ونحن محرمون نتسكع للحصول على لقمة العيش المنهوبة محاصرون من كل الاتجاهات بجلاوذة وزبانية جهنم بعقولهم الفارغة وقلوبهم الموغلة في الحقد، الماء الهواء الأرض السماء الضحكة الدمعة الفرح والحزن كلها خاضعة لضريبة الرفاهية، العلم والتعلم ممنوع، ابداء الرأي جريمة، مجرد التفكير في النقد دون الرفض من أكبر الكبائر، المراد تحويلنا لأوعية حفظ والايمان بالمسلمات، وعدا عن ذلك يعتبر خارج عن القانون المطاطي المستمد من كواكب خارج مجموعتنا الشمسية.
كل تلك الشواهد تراءت أمام ناظري وانا خارج من معركة الحصول على ربطة الخبز التي خضتها بعد يوم كامل من وقوفي في طابور المازوت الذي خبئته من أعين الحاسد، وتسللت وسط الظلام كاللص في شوارعنا المعتمة رغم اننا ندفع ثمن انارتها من دمنا ولا نرى الكهرباء.
ارهقتني التناقضات واتعبتني الهموم وانا جالس في منزل اشبه بالكهف، بطون خاوية، دمعة الفاقة متجمدة في مقلهم البريئة، يئنون بصمت ويرتجفون بردا وانا عاجز انظر إليهم بحرقة والدمعة تغلبني اخبئها وانا متدثر ببعض الاسمال تقي عظامي الهشة من برد الشتاء القارص.
استيقظت على صباح مشمس ضاحك، عبق الزهور يملئ الافق وكل ما حول قد تبدل لا المنزل منزلي ولا الشوراع ولا الناس حتى وجوه أطفالي.
خرجت اتبين الأمر كل الأحياء مطلية بلون سماوي شوارعها كالزجاج المصقول في كل ركن سيارة إسعاف وطاقم طبي وسيارة لطوارئ الكهرباء ورش تبحث عن الأعطال لإصلاحها، وصلت للشارع الرئيسي واذا بعناصر أمنية منتشرة على طرفي الطريق مرتدية اطقم بيضاء كأنهم ملائكة بوجوه بشوشة ينظمون السير ويستقبلون المارة بالورد وعبارات الترحيب، تساؤلات في نفسي أيعقل ان يتبدل الحال بين ليلة وضحاها، اقرص يدي احس بالألم، اكملت طريقي وسط الاستغراب والنشوة تملؤني، كل الوجوه نعم غير مألوفة لكنها ضاحكة والجميع يسعى لتقديم الخدمات والمساعدة، المواد الغذائية أمام المحال التجارية وبأسعار بمتناول الجميع، لا تحمل هم الخبز والمحروقات، الانوار تزين كافة المحلات، المياه الساخنة منتشرة في جميع الأركان، الارصفة مزينة بالورود، شيء يفوق الخيال، وانا أسير تذكرت ان البلدية استدعتني لا لم أستطع دفع فاتورة التيار الكهربائي الذي لا تراه فقلت في نفسي سأبرئ ذمتي، مشيت وسط الابتسامات والروائح حتى وصلت إلى مدخل الشارع المؤدي إلى المبنى وكالمعتاد أخرجت كل ما في جيبي وسحبت نطاق البنطال وهممت لإنزع الحذاء إلا انني تفاجأت بملاكين تقتربان مني وتصرخان لا ياعم نحن في خدمتك مدتا ايديهما للمساعدة لإعادة هندامي وسارتا خلفي توجهاني بهمس خفيف وباستحياء إلى أن وصلت لغرفة الاستقبال واستئذنتا بالانصراف استقبلني موظف الاستقبال بالترحاب واعتذر مني قبل ان يسألني كيف يمكنه مساعدتي، فقلت آت لأدفع قيمة فاتورة الكهرباء المتراكمة بذمتي، فابتسم ابتسامة خفيفة وأبدا اسفه لتحملي مشقة القدوم، وقال الكهرباء اصبحت مجانية واصدر عفو عن ما سبق ووسط استغراب خرجت، الخبز مكدس بل يقوم المعتمد بتوصيله لباب المنزل، المحروقات المياه متوفرة، مظاهر التسول اختفت، الكل يحترم الكل ويتقبل الآراء، أرى هذه الأمور رغم حيرتي إلا أنني منتشي.
اتممت طريقي لا أفكر بالعودة للمنزل، فانا لم احمل هم البرد والجوع والكهرباء، أسير انظر يمينا وشمالا بكل إعجاب واقول البلدان الاوروبية رغم تقدمها وانفتاحها يلزمها مائة عام ليصلوا لما حققناه، وإذا بشي كالصاعقة ينزل على رأسي كدت أفقد الوعي لولا أن رأيت بمجرد ان فتحت عيني عربات عسكرية مدجحة بالسلاح وعناصر ملثمين يوجهون بنادقهم لصدري وصوت جهوري يصيح بوقاحة هويتك يا حمار.