صراع النفوذ في الشرق الأوسط وتصاعد المواجهة مع إيران.. مخاوف من انعكاساته على إقليم كوردستان
عزالدين ملا
تشهد منطقة الشرق الأوسط تصاعداً غير مسبوق في حدة التوترات والصراعات، حيث تتواصل الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على النظام الإيراني، باستخدام أحدث الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية المتطورة، بهدف تفكيك قدراته العسكرية وتقويض نفوذه الإقليمي. في الوقت ذاته، يردّ النظام الإيراني على هذه الهجمات عبر إطلاق الصواريخ البالستية والمُسيّرات على قواعد عسكرية واستراتيجية في دول المنطقة، بما في ذلك دول الخليج وإقليم كوردستان، مما يزيد من حالة عدم الاستقرار، ويهدّد أمن المنطقة بشكل مباشر. ويقع إقليم كوردستان على الحدود الإيرانية، مما يجعله في مرمى هذه التصعيدات، ويثير مخاوف من تفاقم الأوضاع الأمنية والإنسانية فيه، خاصة مع تزايد احتمالات وقوع حوادث عسكرية أو تصاعد النزاعات.
وفي الجانب الآخر، فإن هذه التوترات تترك آثارها التي لا تقتصر على المنطقة فحسب، بل تمتد لتؤثر على الساحة العالمية، حيث تتخوّف الدول الأوروبية وغيرها من ارتفاع أسعار الطاقة، التي من شأنها أن تؤدي إلى أزمات اقتصادية في دول تعاني أصلاً من ضعف اقتصادي، مثل سوريا ولبنان والأردن وإقليم كوردستان والعراق. هذه التطورات تضع المجتمع الدولي أمام تحديات كبيرة، تتطلب جهوداً دبلوماسية واقتصادية مشتركة للحيلولة دون تفاقم الأزمة، والحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
1-ما هي الأسباب الرئيسية وراء تصاعد الهجمات بين الأطراف المختلفة في منطقة الشرق الأوسط، وكيف تؤثر على استقرار المنطقة؟
2- كيف يمكن أن تؤثر الاستمرارية في التصعيد العسكري على أمن إقليم كوردستان، وما هي الخطوات التي يمكن اتخاذها لحماية هذا الإقليم من تداعيات الصراعات؟
3- ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه القوى الدولية، خاصة الولايات المتحدة وأوروبا، في الحد من التوترات ووقف التصعيد؟
4- كيف تؤثر هذه التوترات على أسعار الطاقة العالمية، وما هي التداعيات الاقتصادية المحتملة على الدول الضعيفة؟
5- ما هي السيناريوهات المحتملة للمستقبل في حال استمرار التصعيد، وكيف يمكن للمجتمع الدولي أن يساهم في إيجاد حلول سلمية ومستدامة للأزمة؟
مشروع تصدير الثورة أدخل المنطقة في دوامة صراع خطير
تحدث عضو المكتب السياسي ومسؤول الإعلام المركزي للحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، بشار امين لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «منذ سيطرة الاتجاه الإسلامي على زمام الأمور في إيران تحت مسمى "انتصار الثورة" حيث توجّه نحو التدخُّل في الشؤون الداخلية للعديد من الدول الإقليمية (العراق، لبنان، اليمن، سوريا.. الخ) بدعوى تصدير الثورة، وأخذ يغذّي الاتجاهات الاسلامية المتطرّفة بالمال والسلاح والتدريب بل ذهب إلى حدّ تأسيس منظمات وقوى تخدم أجندتها مثل حزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن، وأبدى منذ البداية زعمه المدافع عن القضية الفلسطينية عبر محور ما أسموه المقاومة، وأخذ يمدُّ دعمه لمنظمة حماس الفلسطينية، كما تفاعل، وتفاهم من منطلق مذهبي"بقوة مع النظام السوري في عهد الأسدين "الأب والابن"، كما لا يخفى على أحد تدخُّله في الشأن العراقي وحروبه عبر ثماني سنوات بهدف الدفاع عن مكتسباته في منطقة الشط العرب إثر اتفاقية الجزائر سيئة الصيت عام 1975 بين شاه إيران حينذاك والنظام العراقي البائد، واستمرّ التدخُّل الإيراني بشكل واسع وسافر في الشأن الداخلي للعراق وحتى الآن وفي أدق الأمور، لدرجة أن نظام الملالي هو المسؤول الأول عن حالة التوتر الدائم الحائل دون الاستقرار في العراق، سواءً من خلال الحشد الشعبي والميليشيا التابعة له أو من خلال الإطار التنسيقي المعطّل للعملية السياسية.
كما أن النظام الإيراني لم يدخر وسعاً في تصدير الإرهاب الى ما يمكن تصديره حتى خارج الحدود الإقليمية بما فيها أوروبا وأمريكا عبر دعم الاتجاهات الإرهابية المتطرّفة مثل داعش والقاعدة وغيرهما، وشكّل خلال ذلك خلايا نائمة في العديد من تلك المناطق تستخدمها عند الضرورة أو خلال الظروف المناسبة كالتي هو فيها الآن الأمر الذي يثير مخاوف وقلق هذه الدول باستمرار.
هذا وبالتزامن مع تصدير الإرهاب لم يتوانَ النظام عن تعزيز قدراته العسكرية ولاسيما الهجومية بوضع ثقله الاقتصادي على حساب قوت الشعب الإيراني وإرادته في تصنيع الصواريخ ومنها البالستية الخطيرة جداً، وإنشاء أسطول بحري ضخم، بالإضافة إلى مساعيه المتواصلة لتخصيب اليورانيوم بغية الوصول إلى تصنيع السلاح النووي المحرّم استخدامه دولياً، وقد أخذ هذا الملف في السنوات الأخيرة حيزاً واسعاً من الاهتمام الدولي وخصوصاً الدول خمس+واحد "الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن والمانيا" والحوارات المستمرة بينها والنظام الإيراني من أجل الحدّ من هذا التوجُّه الخطير على المجتمعين الإقليمي والدولي، واستمرت الحوارات بين مدّ وجزر مع ما تخللها من فرض العقوبات الاقتصادية وتخفيفها أحياناً إلى أن تبين للجميع أن النظام يلعب على عامل الزمن بغية الوصول إلى مرحلة تصنيع السلاح النووي، الأمر الذي أثار مخاوف الجميع وخاصة إسرائيل التي ترى انها المستهدفة الأول في هذا الأمر، وكان قد سبق هذه الحرب هجمات خاطفة من جانب إسرائيل بل من الجانبين معاً».
يتابع أمين: «اليوم، وكما يبدو أن إيران أمام حرب قد تكون طويلة لكنها في جميع الأحوال خطيرة جداً على إيران ونظام الملالي، حيث أعلن في البداية أن الهدف من الحرب هو: ضرب المنشآت النووية، والقواعد الصاروخية، وضرب أسطول إيران الضخم في المياه الإقليمية، لكن بدا بالإضافة إلى ذلك استهداف رؤوس النظام ومنهم علي خامنئي ومستشاره علي شامخاني، ورئيس الحرس الثوري، ورئيس الاستخبارات العامة، والرئيس الأسبق أحمدي نجادي المتورط والمجرم الذي له كان ضمن المجموعة الإرهابية التي اغتالت الشهيد الدكتور عبدالرحمن قاسملو في فيينا عام 1992 وصولاً الى ما مجموعهم ثمانية وأربعين شخصية قيادية، ما يعني أن النظام برمّته هو المستهدف، ويتجلى ذلك في تحرُّك المعارضة أيضاً سواءً مجاهدي خلق "مريم رجوي" وأنباء عن نجل الشاه أيضاً في أمريكا له تحرُّك في هذا الشأن وكذلك الحركة السياسية الكردية والأحوازيين وربما حتى الأذربيين الأكثر قرباً من رؤوس النظام».
يضيف أمين: «أن الهدف من هذه الحرب وتصعيدها هو القضاء على الإمكانات العسكرية الإيرانية هكذا يبدو، وبالتالي إضعاف النظام ليكون القضاء عليه سهلاً، لكن ربما سيناريو العراق عام 2003 لم يتكرر، بل ربما يتم التغيير عبر الحفاظ على منشآت ومؤسسات الدولة، وليس هدمها وإعادة تأسيسها، ولاشك أن هذا التصعيد قد يثير القلاقل في المنطقة، ويضرب أمنها واستقرارها، خاصة أن أسلوب النظام الإيراني استفزازي، حيث رمي العديد من دول المنطقة بذريعة استهداف القواعد الأمريكية هناك، ومنها تركيا لدرجة أن حلف الناتو قد ندّد هذا الاستهداف، ما يعني أن نظام إيران يستجلب له العداوات بهذا الأسلوب الاستفزازي».
يشير أمين: «إلى أن استمرارية هذا التصعيد له أثره البالغ على دول وشعوب المنطقة فهي لاشك تؤثر على إقليم كوردستان وشعبه أكثر، وقد تعرّض الإقليم هو الآخر إلى استهداف غير مرة حالياً وفي السابق، وهنا فإن حكومة بغداد هي المعنية قبل غيرها سواءً بالرد أو التدخُّل، لكن تبدو حتى الآن صامتة لا تحرّك ساكناً، ربما بسبب انحياز معظمها مع النظام الإيراني، وهنا لابد من اللجوء إلى المجتمع الدولي وخصوصاً المعنية بالحرب والتصعيد، وعليها توفير الحماية بشكل أو بآخر سواءً للإقليم أو لدول الجوار المعنية».
يضيف أمين أيضا: «إلى أن بعض الدول الأوربية تأخذ الموقف من التدخل بشكل حيادي، قد تكون لتخفيف التوتر والتصعيد منها فرنسا وألمانيا، وحتى أمريكا رغم كونها معنية كطرف بهذا التصعيد يمكنها القيام بدور إيجابي أو الجنوح إلى الحوار والتفاوض بدلاً من التصعيد، كما أن روسيا والصين كان يمكن لهما التدخل سياسياً بغية وقف نزيف الدم، لكن حتى الآن يبدو أن النظام سيمضي في حماقاته دون أن يكترث بما يتعرّض له الشعب الإيراني من مآسٍ وويلات، وربما يمضي في هذه المواجهة حتى لو علم أنه الخاسر الأول».
أما عن تداعيات هذه الحرب وتصعيدها وتأثير ذلك اقتصادياً على العالم وعلى دول المنطقة وخاصة الضعيفة منها، يقول أمين: «لاشك أن الخاسر الأول هو أطراف الحرب وخصوصًا إيران لأن معدّل النمو الاقتصادي تحت الصفر، والتضخُّم النقدي في أوجه، وجاءت الحرب لتكمل العد التنازلي نحو الحضيض، ولاشك أن الوضع الاقتصادي وحالة التصعيد يؤثران بشكل مؤكّد على حالة الطاقة ولاسيما النفط والغاز سواءً بتعطيل نسبي لعمليات الضخ أو تراجع الأسعار ما ينعكس سلباً على الدول والشعوب الفقيرة أكثر من غيرها».
عن نتائج هذه الحرب وتداعياتها والسيناريوهات المحتملة، يختم أمين: «ربما يكون من الصعب للغاية التكهُّن بما يمكن أن يحدث بل هناك احتمالات يمكن التعرُّض لها باختصار، منها في حال غياب المنتصر فيكون بحدّ ذاته نصراً للنظام الإيراني وبذلك سيصاب بجنون العظمة، وسيمارس السياسة بالطيش والاستعلاء، وهذا الاحتمال ضعيف جداً، أما في حال الجنوح نحو السلم والتفاوض، وقبول النظام لشروط الطرف الآخر فقد يكون في ذلك حبل النجاة للنظام وحفاظه على ماء الوجه، وربما يؤدّي ذلك إلى تأخير أو بطء تحقيق أهداف ذاك الطرف، أما إذا توصّل الأمر إلى سقوط النظام، فإن وضع المنطقة قد يتغيّر، وأن الباب أمام موضوع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد ربما يفتح على مصراعيه، لأن ذلك سينعكس على العديد من دول المنطقة وشعوبها، وسيكون للمعارضة الإيرانية والشعوب المضطهدة في إيران من كُرد وأحواز وغيرهما الحظ الأوفر في هذا التغيير، وقد تُحَلُّ عموم معضلات المنطقة بشكل سياسي سلمي».
الشرق الأوسط بين صراع النفوذ وخطر تحوّل كوردستان إلى ساحة مواجهة
تحدث الكاتب، إبراهيم اليوسف لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «بات واضحاً لدى كل متابع للشأن السياسي أنّ ما يجري في المنطقة بشكل عام، أن السبب الرئيس للتصعيد لا يرتبط بحادث عسكري طارئ. منفرد، بل بمنظومة صراعات طويلة حول النفوذ والهيمنة، في لحظة جد صعبة نتيجة ما أوصلتنا إليه دكتاتوريات المنطقة واستفادت جهات إقليمية دولية كي تستغل ذلك. إذ لاحظنا خلال ما يزيد عن ثلاثة عقود ونصف كيف أن إيران حاولت جاهدة تثبيت حضورها السياسي والعسكري في أكثر من ساحة، بينما رأت الولايات المتحدة وإسرائيل في هذا التمدد- في المقابل- تهديداً مباشراً لتوازن القوة في المنطقة، إن لم نتحدث- عن أطماع لها، في الأصل- في المنطقة ومن هنا فقد تحولت كل مواجهة محدودة إلى رسالة سياسية وعسكرية في آنٍ معاً. إلى أن تفاقم الأمر إلى لحظة الانفجار المخطط لها، وباتت تتجلى في الضربات المتبادلة، كوسيلة ضغط متبادل أكثر مما هي حرب مفتوحة، لتقوض الاستقرار المطلوب، لاسيما في الدول المجاورة لإيران "إقليم كردستان- الخليج".
ومعروف أن التجربة الكردية في مثل هذه الحالة قاسية مع الحروب التي اندلعت في المنطقة، ولم يكن للكرد قرار فيها، لكنها جرت غالباً على أرضهم. لذلك فإن الكرد، وهم يطمحون إلى مستقبل آمن لإقليمهم وحقوقهم القومية، فهم نتيجة سلسلة خيانات "الغرب والمحيط"، لا يرون في هذه الصراعات الكبرى طريقاً لتحقيق تطلعاتهم، بل يخشون أن يتحولوا مرة أخرى إلى ساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين، بعد أن عاشوا مئة سنة، خلت، ضحايا، مصالح سواهم الذين اختلفوا على كل شيء، واتفقوا على أمر واحد هو "الاستعداء عليهم"، ومحاربة حقوقهم».
يتابع اليوسف: «إن إقليم كوردستان يتمركز في موقع جغرافي شديد الحساسية، إذ يجاور إيران من جهة، ويقع في قلب شبكة الصراعات التي تمتدُّ من الخليج حتى تخوم بلاد الشام في خريطته المستحدثة. هذه الحقيقة تجعل الإقليم عرضة لتداعيات أي تصعيد عسكري في المنطقة. إذ باتت بواكير الصواريخ أو الطائرات المسيّرة تصل إلى أراضيه وتستهدف استقراره، وبنيته التحتية، سواء أكان بقصد مباشر- وهو ما تم ويتم- أو حتى نتيجة طيش وعشوائية وتداعيات الحرب الدائرة.
استمرار هذا التصعيد قد يخلق جملة من المخاطر، تبدأ من تهديد الأمن المباشر للسكان، ولا تنتهي عند التأثير على الاقتصاد والاستثمارات والاستقرار الاجتماعي. إذ إن أي توتر أمني طويل الأمد يضعف ثقة المستثمرين ويحد من حركة التجارة ويؤثر في حياة الناس اليومية.
لهذا السبب، تميل الرؤية الكردية الواقعية إلى تجنب الانخراط في صراعات الآخرين. إذ يحتاج الإقليم إلى سياسة متوازنة تقوم على تحييد نفسه قدر الإمكان عن محاور النزاع، مع تعزيز قدراته الأمنية الداخلية وتطوير علاقاته الدبلوماسية مع مختلف الأطراف. كما يصبح من الضروري دعم التعاون مع الحكومة العراقية والمجتمع الدولي لضمان عدم تحول أراضي الإقليم إلى ساحة مواجهة».
يضيف اليوسف: «حيث يعول على القوى الدولية دوراً أساسياً في رسم ملامح الاستقرار في الشرق الأوسط، فيما لو شاءت. فالولايات المتحدة ما تزال القوة الأكثر حضوراً عسكرياً وسياسياً في المنطقة، بينما تمتلك أوروبا أدوات دبلوماسية واقتصادية مؤثرة. ومن هنا يمكن لهذه القوى أن تسهم في إيقاف آلة الحرب، وتفعيل المسارات السياسية والحوار بين الأطراف المتصارعة، من دون أن يتم نسيان حقوق الشعوب الأصيلة في المنطقة والتي شكلت الخرائط الحالية على حساب خرائطها المبتلعة، وأولها "حقوق الشعب الكردي في كوردستانهم".
إذ إن التجربة أثبتت أن الحروب في الشرق الأوسط لا تنتهي غالباً بالحسم العسكري، بل تعود في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات. لذلك يصبح الضغط الدبلوماسي والوساطة الدولية أحد السبل الواقعية لمنع توسع الصراع.
وهنا تماماً فإن إقليم كوردستان يحتاج إلى دعم دولي واضح يحفظ استقراره ويمنع استخدام أراضيه كساحة تصفية حسابات إقليمية. إذ إن الاستقرار في الإقليم لا يخدم سكانه فقط، بل يشكل أيضاً عامل توازن مهم في شمال العراق وفي المنطقة عموماً».
يشير اليوسف: «ان الشرق الأوسط يشكل أحد أهم مصادر الطاقة في العالم، ولذلك فإن أي توتر عسكري فيه ينعكس سريعاً على الأسواق الدولية. إذ يؤدي الخوف من تعطل الإمدادات أو إغلاق الممرات البحرية الحيوية إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية.
هذا الارتفاع قد يبدو مفيداً لبعض الدول المنتجة للنفط في المدى القصير، لكنه يخلق- في المقابل- ضغوطاً اقتصادية كبيرة على الدول الضعيفة التي تعتمد على استيراد الطاقة. إذ ترتفع تكاليف النقل والإنتاج، وتزداد معدلات التضخم، ويصبح عبء المعيشة أكثر ثقلاً على المواطنين.
أما في مناطق مثل سوريا ولبنان والأردن والعراق، فإن هذه الضغوط الاقتصادية قد تتحول إلى أزمات اجتماعية حقيقية. وفي إقليم كوردستان أيضاً، رغم وجود قطاع نفطي مهم، فإن أي اضطراب أمني أو سياسي في المنطقة قد يؤثر سلباً على الاقتصاد وعلى حركة التصدير والاستثمار».
يختم اليوسف: «أنه في حال استمرار التصعيد الحالي، بديهي تصور أكثر من مسار للمستقبل. إذ قد تبقى المواجهات ضمن حدود الضربات المتبادلة، من دون أن تتحول إلى حرب شاملة، وهو سيناريو من شأنه أن يبقي المنطقة في حالة توتر دائم إلا أنه يمنع الانفجار الكبير.
ثمة سيناريو آخر يتمثل في توسع الصراع ليشمل أطرافاً إضافية، الأمر الذي قد يدفع الشرق الأوسط نحو حرب إقليمية واسعة ستكون لها تداعيات خطيرة على الأمن والاقتصاد العالميين.
أما بالنسبة للكرد، فإن تطلعهم التاريخي إلى العيش بحرية وأمان في أرضهم لا يمر عبر الحروب الكبرى ولا عبر التضحية بأجيال جديدة في صراعات الآخرين. إذ إن حلم كوردستان بالنسبة للكثيرين يرتبط بالاستقرار والبناء والتنمية، لا بتحويل الجبال والسهول مرة أخرى إلى ساحات حرب. لذلك فإن الموقف الأكثر واقعية يتمثل في دعم السلام والاستقرار، والعمل على حماية الكرد من أن يصبحوا وقوداً لحروب لا تخدم مستقبلهم».
التوازن السياسي وتعزيز الاستقرار الداخلي مفتاح حماية إقليم كوردستان
تحدث الكاتب والسياسي، ماهين شيخاني لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «هناك أربعة أسباب رئيسية تقف خلف هذا التصعيد: أولاً: الصراع على النفوذ الإقليمي، حيث ان الشرق الأوسط يشهد منذ سنوات صراعاً بين مشروعين رئيسيين، مشروع تقوده إيران يعتمد على شبكة حلفاء في المنطقة. ومشروع مضاد تقوده الولايات المتحدة وتدعمه إسرائيل وبعض الدول الإقليمية. وكل طرف يحاول إضعاف نفوذ الطرف الآخر دون الوصول إلى حرب شاملة.
ثانياً: البرنامج النووي الإيراني، ان القلق من اقتراب إيران من القدرة النووية يدفع خصومها إلى ضرب البنية العسكرية والتكنولوجية الإيرانية قبل أن تصبح قوة ردع استراتيجية.
ثالثاً: حرب الوكالات، الكثير من الصراعات في المنطقة ليست مباشرة، بل تتم عبر حلفاء أو قوى محلية في عدة دول مثل العراق وسوريا ولبنان.
رابعاً: إعادة رسم ميزان القوى في المنطقة، التي تمرُّ بمرحلة انتقالية بعد سنوات من الحروب، وكلُّ طرفٍ يحاول تثبيت موقعه في النظام الإقليمي الجديد.
ونتيجة هذا التصعيد يخلق بيئة عدم استقرار مزمنة في الشرق الأوسط، ويزيد احتمالات الحروب المحدودة أو الضربات المتبادلة».
يتابع شيخاني: «إن المخاطر المحتملة، استهداف قواعد أو مناطق داخل إقليم كوردستان، لأن بعض القوى تعتبره قريباً من النفوذ الأمريكي. وضربات إيرانية متكررة، بحجة وجود معارضين إيرانيين أو نشاطات معادية قرب الحدود. وتأثر الاقتصاد والاستثمار، ان أي توتر عسكري يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال وتراجع السياحة والتجارة. وضغط سياسي من بغداد ودول الجوار.
الخطوات الضرورية لحماية الإقليم، سياسة توازن دبلوماسي، والحفاظ على علاقات متوازنة مع واشنطن وبغداد وطهران وأنقرة. وتعزيز القدرات الدفاعية بتطوير قدرات قوات البيشمركة في الدفاع الجوي والمراقبة. ومنع استخدام أراضي إقليم كوردستان كمنصة صراع, لتجنب إعطاء مبرر لأي هجوم خارجي. وتنسيق أمني أكبر مع الحكومة العراقية».
يضيف شيخاني: «انه يمكن للقوى الدولية لعب ثلاثة أدوار رئيسية: أولاً، الردع العسكري، وجود قوات أو قواعد لـ الولايات المتحدة في المنطقة يهدف إلى منع الانزلاق إلى حرب شاملة. ثانياً، الوساطة الدبلوماسية، يمكن لـ الاتحاد الأوروبي أن يلعب دور الوسيط في المفاوضات النووية وتخفيف التوترات الإقليمية. ثالثاً، الضغط الاقتصادي، العقوبات الاقتصادية تستخدم لإجبار الأطراف على العودة إلى التفاوض بدلاً من التصعيد العسكري. لكن الحقيقة أن القوى الدولية تسعى غالباً لإدارة الصراع وليس إنهاءه بالكامل».
يشير شيخاني: «إلى ان الشرق الأوسط يضم جزءاً كبيراً من إنتاج النفط والغاز العالمي، لذلك أي توتر يخلق قلقاً في الأسواق. والأسباب الرئيسية لارتفاع الأسعار، احتمال تعطّل صادرات النفط من الخليج. والخوف من إغلاق مضيق حيوي مثل مضيق هرمز. وزيادة تكاليف النقل والتأمين على السفن. والتأثير على الدول الضعيفة، الدول التي تعاني اقتصادياً مثل "العراق، سوريا، لبنان، الأردن". ستتأثر بشدة بسبب ارتفاع أسعار الوقود - زيادة التضخم - تراجع القدرة الشرائية - أزمات مالية إضافية. أما إقليم كوردستان فسيعاني من ضغط اقتصادي بسبب الاعتماد الكبير على النفط والاستيراد».
يعتقد شيخاني: «انه هناك ثلاثة سيناريوهات: السيناريو الأول، حرب محدودة طويلة، استمرار الضربات المتبادلة دون حرب شاملة. هذا هو السيناريو الأكثر احتمالاً حالياً. السيناريو الثاني، تسوية سياسية، عودة المفاوضات حول الملف النووي الإيراني وتهدئة التوترات. السيناريو الثالث، مواجهة إقليمية واسعة، اندلاع حرب تشمل عدة أطراف في المنطقة. هذا السيناريو خطير لكنه أقل احتمالاً لأن كلفته هائلة على الجميع».
يختم شيخاني: «ان الشرق الأوسط يعيش مرحلة إعادة تشكيل لموازين القوى. بالنسبة للكورد وإقليم كوردستان، الموقع الجغرافي يمنحهم أهمية استراتيجية، لكنه في الوقت نفسه يجعلهم عرضة لتداعيات الصراعات. لذلك فإن الواقعية السياسية، والتوازن في العلاقات، وتعزيز الاستقرار الداخلي تبقى أهم أدوات حماية إقليم كوردستان في هذه المرحلة المضطربة».