نحو توحيد الموقف الكردي وبناء مرجعية وطنية جامعة
الافتتاحية - كوردستان
إنّ تحقيق وحدة الموقف الكردي في سوريا لم يعد خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل، بل أصبح ضرورة وطنية وقومية تفرضها التحولات العميقة التي تشهدها البلاد، وما يترتب عليها من استحقاقات تتعلق بمستقبل القضية الكردية ومكانتها ضمن الدولة السورية القادمة. غير أنّ هذه الوحدة المنشودة لا يمكن أن تقوم على الشعارات أو النوايا وحدها، بل تحتاج أولاً إلى توفير مناخات سياسية واقعية وملموسة، يشعر بها المواطن الكردي في حياته اليومية، وتؤسس لثقة متبادلة بين مختلف القوى السياسية.
وعندما تتوافر هذه البيئة السليمة، يصبح من الممكن الانتقال إلى مرحلة التوافق على القرارات الاستراتيجية الكبرى المرتبطة بالقضية الكردية ومستقبلها، وكذلك بطبيعة العلاقة مع الدولة السورية. عندها فقط يمكن للشعب الكردي أن ينظر إلى المرجعية السياسية المشتركة باعتبارها إطاراً شرعياً جامعاً، تحظى قراراته بالقبول العام، وتكون ملزمة للجميع، مع آليات واضحة للمتابعة والتنفيذ، على غرار تجربة الوفد الكردي المشترك المنبثق عن تفاهمات السادس والعشرين من نيسان.
إنّ تعزيز العمل الكردي المشترك يقتضي اتّخاذ خطوات عملية واضحة، في مقدمتها ضمان حرية العمل السياسي والتنظيمي المتبادل دون قيود أو تضييق، ووقف الحملات الإعلامية المتبادلة، واعتماد خطاب سياسي مسؤول يضع المصلحة الكردية في سوريا ضمن سياقها الوطني السوري العام، بعيداً عن لغة التخوين أو الإقصاء.
كما يتطلب الأمر إلغاء جميع المظاهر والشعارات التي تتعارض مع الخصوصية الكردية السورية، والالتزام بالرموز الجامعة التي تعبّر عن الحالة الكردية في سوريا، بما يعزز الشعور بالانتماء المشترك ويمنع الانقسام المجتمعي. ومن الضروري أيضاً احترام حرية المواطنين، ومنع أي شكل من أشكال الإلزام أو الضغط على الموظفين أو المدنيين للمشاركة في التعطيل القسري أو المسيرات والمظاهرات تحت أيّ ذريعة، وضمان أن يبقى النشاط المدني تعبيراً حراً وعفوياً عن إرادة المجتمع.
إنّ أي إخلال بهذه المبادئ، سواءً عبر إبرام تفاهمات منفردة، أو القيام بتعيينات أحادية، أو تعطيل عمل المرجعية المشتركة، أو ممارسة الضغوط القسرية على المدنيين، يُعدّ مساساً خطيراً بمصلحة شعبنا الكردي ومستقبله السياسي، ويقوّض فرص بناء موقف موحّد قادر على حماية الحقوق، وتحقيق الشراكة الوطنية الحقيقية.
إن المرحلةَ الراهنةَ تتطلّبُ شجاعةً سياسيةً ومسؤوليةً تاريخيةً، فاللحظة التي تمرُّ بها القضية الكردية في سوريا قد لا تتكرر. ووحدة القرار، القائمة على الشراكة والاحترام المتبادل، هي الطريق الأقصر نحو تثبيت الحقوق وصون الكرامة، وبناء مستقبل.