شمس البارزانية تدفئ شتاء النازحين
عبدالغني سليمان
في أزمنة الانكسار، حين تضيق الأرض بما رحبت، ويغدو الوطن ذكرى معلقة في القلب، تتجلى المعاني الإنسانية العظيمة في صور من الرحمة الصادقة والعمل الدؤوب. وفي ظروف قاسية ألمت بالشعب الكوردي، وفي خضم تلك المشاهد المؤلمة، برزت مؤسسة بارزاني الخيرية برتل من الشاحنات المحملة بأطنان من المواد الغذائية والطبية واللوجستية، تعبر سيمالكا متوجّهة إلى حيث يوجد النازحون.
برزت كواحة أمان في صحراء المعاناة، وكصوت للإنسانية حين خفتت الأصوات.
لم يكن النزوح مجرّد انتقال من مكان إلى آخر، بل كان اقتلاعاً من الجذور، وامتحاناً قاسياً للصبر والإيمان. آلاف العائلات وجدت نفسها أمام مستقبل غامض، وأطفال حُرموا دفء بيوتهم ومقاعد دراستهم، وأمهات أثقلتهن مسؤولية الحفاظ على ما تبقى من كرامة وأمل.
مدت يدُ العون سريعاً، فحملت إلى المخيّمات قوافل الخير، محمّلة بالمواد الغذائية التي تسد الرمق، والمستلزمات الطبية التي تخفف الألم، ووسائل التدفئة التي تقاوم برد الخيام القارس. كانت تعلم أن الإغاثة ليست ترفاً، بل ضرورة حياة، وأن دقيقة تأخير قد تعني معاناة مضاعفة لإنسان أنهكته الانتظار.
وفي المجال الصحي، كان حضورها ملموساً في دعم المراكز الطبية، وتنظيم الحملات العلاجية، وتقديم الرعاية للفئات الأكثر هشاشة. لقد أدركت أن الصحة أساس الكرامة الإنسانية، وأن تضميد الجراح الجسدية يمهّد لشفاء الجراح النفسية التي خلفتها الأزمات.
أما متطوعوها وكوادرها، فهم قصة إخلاص قائمة بذاتها، يعملون في ظروف صعبة، تحت شمس لاهبة أو برد قارس، لكنهم يحملون في قلوبهم يقيناً بأن ما يقدمونه يتجاوز حدود الواجب إلى رسالة سامية.
في وجوههم ابتسامة تطمئن القلوب، وفي كلماتهم دفءٌ يخفّف وطأة الغربة. إنهم جنود الرحمة، الذين اختاروا أن يكونوا قريبين من الألم، ليحولوه إلى أمل.
وقد أسهمت المنظمة كذلك في تعزيز التعاون بين الجهات المحلية والدولية، فكانت حلقة وصل تجمع الطاقات، وتوحد الجهود في سبيل خدمة النازحين. وبفضل هذا التنسيق، تضاعف أثر العطاء، واتسعت رقعته ليصل إلى أكبر عدد ممكن من المحتاجين، وأمتد إلى كافة قرى وبلدات ومدن كوردستان سوريا، ومعظم المدن السورية، وبادرت إلى فتح مكاتب دائمة فيها.
إن الحديث عن مؤسسة بارزاني الخيرية هو حديث عن نموذج مضيء للعمل الإنساني المؤسسي، حيث تتكامل الرؤية مع التخطيط، ويقترن الإخلاص بالكفاءة. إنها صورة حية لمعنى التضامن الحقيقي، حين يتحوّل الشعور بالمسؤولية إلى فعل ملموس يغيّر حياة الناس.
وهكذا، ستبقى هذه المؤسسة عنواناً للخير المتجدّد، وشاهداً على أن الإنسانية قادرة على النهوض من بين الركام. ففي كل خيمة أضاءتها بمصباح أمل، وفي كلّ يدٍ أمسكت بها لتنهض من عثرتها، كُتب سطرٌ جديد في ملحمة العطاء، وسيظل اسمها مقترناً بالرحمة، ما دامت هناك قلوب تؤمن بأن إنقاذ إنسان واحد هو إنقاذ للإنسانية جمعاء.